|
جريدة الصوت هي صوت من؟
لا ادري متى يمكن للإنسان أن يستفيد من العبر والتجارب ، بل والمآسي والآلام التي يمر بها ، والتي صنع بعضها بنفسه من خلال ممارساته الفردية سواء كانت عن رغبة واختيار أو بسبب العقل الجمعي الذي يتحكم بالمجتمعات ، أو الحكم القسري الذي يفرض على الأفراد والجماعات خاصة تلك التي حكمت نفسها منذ البداية بقوانين القهر والاستبداد التي تمثل سابقا بكلمة الاستبداد وحاليا بكلمة الفاشية والدكتاتورية . وما جرى ويجري في العراق صورة واضحة ودليل قاطع على ما نقول ، فبعد أكثر من ثلاث عقود من الاستبداد والدكتاتورية والإعدامات والدماء والظلم والقهر والظلام الذي كل شيء في العراق والذي انتهى إلى كارثة أخرى هي اكبر المصائب والآلام حين احتلت قوات العدوان الأمريكي بغداد عاصمة العراق وقلب الأمة دون حرب أو قتال ، كما كنا نراهن على ذلك طوال فترة الحرب المريرة ، خصوصاً بعد صمود أم قصر الصغيرة ومدن عديدة في مسار تقدم قوات الاحتلال من الجنوب ، وبعد أن أعطانا الاحتلال صوراً نموذجية من من نوع الديمقراطية الدموية والرفاهية والسلام والعمران الذي يقتل الناس فقراً، حيث زاد عدد الضحايا المظلومين على المليون ، وتم تدمير ما بقي من ارض العراق ومدنه المهدمة ، والأمر يطول لو أردنا أن نستغرق فيه سواء كان قبل الاحتلال أو بعده ، ولو بالضحايا من العراقيين الذين اعدموا في المحاكم الثورية الخاصة أو في سجون ومعتقلات (( الطاغية الذي تسميه الصوت بالرئيس الشهيد! )) وحتى من الحزب الحاكم ، المرعوب والمحكوم ، والذين فقدوا في المقابر الجماعية أو الذين جاءوا بعد الاحتلال ليزيدوا السجون عذاباً وقهراً ، والفساد عمقاً وانتشاراً ، والمقابر الجماعية مساحةً وأعداداً ، وكانت صحيفتكم من هذه الحالات الشاهدة ، والنماذج الجديدة على هذه الهلوسة النفسية والاجتماعية والصحفية ، مع أنها قدمت نموذجاً مهنياً جيداً كان يتوقع منه أن يتجاوز أزمة الموروث وعقدة العقل الجماعي وردة الفعل على الإحباط والهزيمة ، فكانت تأخذ قارئيها ذات اليمين وذات الشمال دون أن تستقر على حال سواء كان حول ما جرى في الفترة الماضية أو ما يجري في ظل الاحتلال باستثناء موقفها العام في مواجهة الاحتلال والذي هو أهم الأمور ولولاه لانتقل صاحبه إنساناً أو مؤسسةً إلى صف الخيانة الصارخة ومن أكثر النماذج المكررة في صفحات (الصوت ) هو الدفاع عن النظام السابق أمام كل نقد يوجه إلى ذلك النظام أو أي حديث عن المآسي التي صنعها علماً إن بعض مسؤولي الصحيفة ( دون أن اسميهم ) يعلمون حقيقة ما جرى سابقا أو كانوا هم من ضحايا تلك الفترة كما صرحوا مرارا حتى أن احد البعثيين السابقين المعروفين- لا نذكر اسمه ولكن المحررين والمشرفين على الصحيفة يعرفونه جيدا – قال لو حوكم صدام عن جرائمه بحق البعثيين فقط ، لكانت كافيةً لإصدار عدد لا يحصى من أحكام الإعدام بحقه ، ولكن الصحيفة تنتفض بدوافع هستيرية أو انتهازية أو مصلحية للرد على ضابط كبير مثل طالب السعدون أو سياسي مثل تايه عبد الكريم – صنعه الحزب أو صدام شخصياً حتى لو لم يكن كبيراً - لأنهما قاما بالحديث عن بعض المآسي التي عاشوها بأنفسهم وشاهدوها بأعينهم ، وهذا ما ذكره حامد الجبوري، أو صلاح عمر العلي بل ويذكره كل البعثيين حين يكونون مع أنفسهم أو بعض أصدقائهم الخاصين وفي ذلك قائمة لا تحصى ولا يمكن إخفاؤها إلى الأبد وهي ستظهر شيئاً فشيئاً رغم كل العوائق والممانعات ،ورغم الاحتلال الذي بسبب وجوده البغيض يمتنع كثير من الناس ومنهم كاتب هذه الكلمات عن الحديث عن الفترة المؤلمة الماضية وما سببته من آلآم وكوارث أدت إلى حصول كارثة الاحتلال العظمى. والعجيب أن الصحيفة لم تكتف بالرد على المتحدثين عن الماضي وهم مسؤولوه المعروفون ، وإنما توجه الهجوم أو الرد العشوائي إلى محرر اللقاء وكانت التهمة انه كان من متملقي النظام سابقاً أو من أزلامه ، حسب مصطلحات أزلام الاحتلال ، وهذا بحد ذاته إدانة كافية لسيرة النظام وممارساته حيث لم يترك لأحد من أبناء العراق خيارا ، فإما الموت أو التهجير أو التطبيل والتزمير والرقص أمام القائد الضرورة والكذب والتلون من اجل البقاء بعد أن تم القضاء على كل المخلصين من أبناء العراق في المعارضة والموالاة ولم يبق إلا هذا النوع من الناس أو هذا الاسلوب للبقاء ، الذي لم يعد للأصلح أو للأقوى ، وإنما للأفسد والاخنث . فلماذا هذا العتب على مقدم البرنامج وتوجيه هذه التهمة الخطيرة ، وهي الانتماء إلى الحزب القائد ؟ والتملق إلى ( الطاغية القاتل الذي تصرون على تسميته بالرئيس الشهيد! )؟ وكلكم تعلمون أن هذا الإنسان وغيره من المسؤولين لو لم يكن كذلك لصار شهيداً!!! على يد ذلك الطاغية الرئيس قبل أن يصبح صاحبه هو بالحال الذي رأيتموه ورأه العالم كله على يد الأمريكان وبوشاية من اقرب المقربين إليه ، الذين نشأوا على هذا الاسلوب في التزلف والتقرب ، وإذا بهم يقدمون المعلومات للأمريكان ليوصلهم إلى مقر الرئيس الطاغية الذين أظهروه وكأنه ( جحر ضب خرب ) على شاشات الفضائيات ، قبل أن يظهروه في المحاكمة الممسوخة على شاكلة أخرى . وإنني مع معارضتي الطويلة والراسخة للنظام السابق ككل ولشخص طاغيته ، إلا أن تربيتي الإيمانية والوطنية أبت لي أن أرضى بأية دلالة على شخصه، أو على أي واحد من أعوانه ، أو على أي مسؤول من الفترة الماضية حتى لو كان من القتلة والجلادين المباشرين ، بل وتأبى حتى الرضا بقرارات المحكمة التي نصبها الاحتلال حتى على أناس نعتبرهم يستحقون الموت ألف مرة لو حاسبناهم على جرائمهم في محاكم عادلة، وهذا هو الفرق بين أبناء الإيمان والعراق والأمة ،وبين أبناء التزلف والنفاق والتلون ، وقد قامت الصحيفة أخيراً بواحدة من خطوات التقلب ، وعن طريق عرض صورة إنسان مثَل هذه الحالة عبر حياته الاجتماعية والحزبية والمهنية ،وبصورة سمجة وقاسية ،والمقصود هنا هو حسن العلوي الصحفي أو المؤرخ أو الكاتب الباحث حسب وصف الصحيفة ،وهو ينتقد شيعة السلطة عبر كتاب صحفي جديد يضيفه إلى سلسلة كتاباته المضطربة التي لا ندري متى يتوقف فيها عند نقطة واحدة ،انه الاضطراب الفكري الذي صنعه القلق النفسي ،والذي أججه الرعب السلطوي ، فبينما هو ينتقد شيعة السلطة والتشيع والإسلام براء منهم ، يتفهم القارئ انه يفعل هذا لأنهم لم يكافؤه على تملقه الوضيع والمستمر لهم، وحتى تعيينه كسفير في دمشق جوبه برفض خفي من بعضهم مما أدى إلى بقاء المداح الجديد بلا موقع في دولة زملائه المدعين للتدين والتشيع من جهة ومنهج الإخوان المسلمين من الجهة المقابلة ، والذي طالما تملق لهم بذلة غريبة وهو يعلن توبته النهائية من صدام حسين ونظامه بعد أن فر من العراق ورئيسه الذي كتب عنه مائة ساعة مع صدام حسين –وصدام يتفقد صناعة الخط العربي، والذي يدعي انه بكاه بعد إعدامه ولعله بكى خوفا من شبحه الذي سبب له الرعب دائما حتى أوقف نصف أعضائه عن العمل حسب قوله ، فصاحب كتاب الشيعة والدولة القومية يتجلى في صورة طائفية ، يحاول ردها باستمرار في اسطر كتاباته ،عندما يؤسس لحقوق الشيعة مهاجما مشروع كوكس-النقيب ، الذي أسس حسب فهمه القاصر للتسلط الطائفي ، والذي أسس حسب فهمنا لتسلط الاحتلال البريطاني بخدع الطائفية الزائفة ، ولكنه ينقلب بعد الاحتلال بشكل كامل ويظهر بصورة الفيلسوف الشيعي الجديد للاحتلال الأمريكي ، فيكتب كتاباً عنوانه ( العراق الأمريكي ) ، يؤكد فيه بسرور بليد وبتأويل سقيم أن العراق الأمريكي الجديد هو عراق شيعي ، كما كان العراق البريطاني القديم عراقاً سنياً . والغريب انه في هذا الكتاب يريد أن ينتقد قادة الحركة الوطنية اليوم والجانب السني بالذات ، فيقول كلاماً كله تمجيد ومديح له لو كان يعقل ، حيث يضطرب في تعابيره وأوصافه ، فيقول إن مشيخة الإسلام السني وهو يقصد هيئة علماء المسلمين والشيخ حارث الضاري (فيما مشيخة الإسلام السني هائجة مائجة على غرار فقهاء النجف وكربلاء والكاظمية في ثورة العشرين ..... ) كتاب العراق الأمريكي ص23 . إذاً حارث الضاري وعلماء السنة المجاهدين ضد الاحتلال ومع علماء الشيعة المجاهدين والتيارات الوطنية المخلصة ، على نمط فقهاء الشيعة في النجف والكاظمية وكربلاء في ثورة العشرين ، وكلهم هائجون مائجون ، وليسوا أبطال موقف وطني إيماني جهادي للتحرير ضد الاحتلالين البريطاني والأمريكي ، وهذا منتهى السقم والانحطاط الفكري والانقلاب على المواقف ، وهو منتهى المديح لعلماء السنة والشيعة الصادقين اليوم لموقفهم ضد الاحتلال الأمريكي والأمس ضد الاحتلال البريطاني القاسي ، وكلام حسن العلوي يناقض نفسه حين يمتدح النقيب باعتباره قائداً طائفياً براغماتياً ضمن للسنة حقوقهم ، بينما هو يدينه في كتابات سابقة باعتباره مروج مشروع الاحتلال وأغطيته الطائفية فلا ندري أين هو موقع حسن العلوي ، كما هو ديدنه المعروف ، حتى نقل أن أخاه هادي العلوي الذي يعتبره أستاذاً وفيلسوفاً ومفكراً ويذكره بالإعجاب في كتاباته، قدم ذاك المسمى فلسوف أخاه حسن إلى محام سوري، وقال له ( هذا أخي حسن العلوي ولكنه متلون ومنافق ) . وقد قرأت تعليقة لأحد الزعماء الوطنيين المجاهدين على عبارة وردت لحسن العلوي في كتابه العراق الأمريكي ، وهي عبارة شديدة الانقلاب حيث كان التعليق التالي تحتها – متى يستقر حسوني على رأي . لقد كانت اندفاعة حسن العلوي بعد الاحتلال – هائجة مائجة – حيث اعتبر نفسه احد رجال العراق الأمريكي الجديد كما وصف ذلك بصراحة في كتابه ص19 ، حيث تحدث عن منصبه الجديد كسفير للعراق في سورية ويعتبر نفسه سفيراً مثقفا يمثل النظام الليبرالي الجديد في العراق الأمريكي ، وليس سفيراً لنظام شمولي يخضع للمراقبة الدائمة ولا وظيفة له إلا كتابة التقارير إلى أسياده – إن عبارات حسن العلوي تكفي في توضيح شخصيته المشوهة حيث يقول ( لكننا في العراق الأمريكي شيء آخر ، فنحن ننتمي إلى المدرسة الليبرالية الحرة حيث تفتخر الخارجية بسفرائها المبدعين ) . فهذا هو الوهم المرضي الذي يعيشه حسن العلوي ويعتبر نفسه تأكيداً لذلك من بناة النظام الجديد كما يقول في الصفحة التالية . ولذلك كان المدهش تهليل صحيفة الصوت بانقلاب الأخير على شيعة السلطة ، ليقدموه من جديد كدلالة على بؤس الذين يحتاجون إلى مواقف أمثال هؤلاء المتقلبين وهنالك شرح مطول لفضيحة كتاب العراق الأمريكي يمكن أن نرسله للنشر ، بعد نشر هذه الرسالة الاعتراضية لكشف حقيقة هؤلاء الذين لا يصلحون ولا يستقيمون ولا يجوز لأحد أن يستند إلى مقالاتهم وشهاداتهم ، إلا من كان بائساً ويحتاج إلى أمثالهم ، كما توجد دراسة مطولة حول دور الطاغية الذي تصرون على تسميته بالرئيس الشهيد!!! الذي أنتج أمثال حسن العلوي ، والذي كان أداة دمار العراق والمنطقة قبل أن ينقلب عليه القوم أو ينقلب هو عليهم . مع التحيات
كاظم عبد الجبار |