وخر.... بالك...آني مستعجل...آني مهم

 

قصة قصيرة ذات أحداث حقيقية.... القسم الثقافي - رسالة التوحيد

 

هذه قصة قصيرة وحقيقيةأخبرنا بها أحد الأخوة حصلت له أثناء عودته للوطن العام الماضي وحدثت عند ذهابه لزيارة أمير المؤمنين عليه السلام ونسردها بأسولب قصصي والأسماء مختلفة.

 

تحضر حسن وأخوه حسين للذهاب الى النجف الأشرف مع العائلة لزيارة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام وكذلك قبور الأهل الذين يرقدون في وادي الغري

عاد حسين مؤخراً من مهجره في زيارة لأهله وفي قلبه غصة أنه لا يعرف مكان قبور أشقاءه الذي أعدمهم طاغية العراق المتكبر السابق، وما يغزي حسين وأهله أن شأنه هذا شأن مئات الآلاف من العراقيين.

كان والده قد أخرجه من العراق لأنه حامي الأعصاب وليس هادئاً وينطلق بالانتقاد والحديث حين يرى الإنحراف، وقد اشتبك مع بعض أعضاء الحزب قبل سفره من العراق، وأراد والده الحفاظ عليه باخراجه، على عكس حسن الهاديء البسيط الذي يتحكم بردود أفعاله.

حسن: استأجرت كيا (سيارة تقل تسعة ركاب)، وسيكون عند باب المنزل عند طلوع الشمس

حسين: عاشت ايدك أخوي، لم أكن على رأس أمي حين وفاتها وكل ما أراه منها هو قبرها، إنا لله وإنا اليه راجعون.

حسن: سيكون الطريق جيداً عند الفجر وخصوصاً حين الخروج من بغداد.

قالم والد العائلة متثاقلاً من فراشه عند الفجر وهو يعاني من آلام المفاصل، ونادى على أولاده

أبو حسن: الصلاة يا شباب... الصلاة، ماكو وقت!

نهض حسين وحسن وأخواتهما وركض الجميع للصلاة وتحضير مستلزمات السفر القصير.

فرشت السفرة البسيطة وتناول الجميع طعام الإفطار، وقامت أخوات حسين بتحضير ثلاثة علاقات (شنط جلدية مفتوحة الرأس) وضعت فيها بعض الأطعمة للغداء وبعض الفاكهة وقناني متعددة للماء وفرشة للجلوس.

فاطمة: وصلت السيارة بابا، خلي حسن وحسين يأخذون الأغراض الى السيارة

 

انطلقت السيارة باتجاه الدورة وسلكت الطريق الموصل الى النجف عن طريق الحلة ورغم أن الوقت كان مع طلوع الشمس، إلا أن السيطرات المتعددة كانت تبطيء الطريق الذي كان سريعاً في يوم من الأيام.

وعلى حاجز الدورة

حسين: هاي شنو

حسن: خير ان شاء الله شكو

حسين: إحنا مو طالعين من بغداد؟

حسن: أي صحيح، شنو نسيت، إحنا رايحين عن طريق الحلة

حسين: أدري طالعين من بغداد، بس القطعة تقول بغداد ترحب بكم واحنا طالعين

حسن: من يومك وسبع تيامك تريد كلشي دقيق وعلى مرامك/ بس بعد ما سافرت الظاهر صرت (نقناقي)، منو ينتبه لهذه الشغلات.

حسين: كاتبين بغداد ترحب بكم مع صورة ثلاثة مسلحين شايلين بنادق،.... لا هواية مطمئنة

حسن: هذوله قوات العقرب والجيش ومغاوير الداخلية

حسين: لمن ترحب بالناس، ترحب بيهم بمشروع لطيف، كورنيش ضاوي، صورة طرق وجسور  وعمارات، صورة حدائق عامة وناس تلعب، مو ناس شايلة بنادق وتقول ترحب بكم وانت طالع من المدينة!

حسن: دا أكولك...انت صاير (نقناقي)

ابو حسن يتدخل: بابا حسين، احنا نسينا طريقة الحياة الصحيحة واللي ينبه لهذي الشغلة يكولون عليه (نقناقي)، ....بابا حسن أخوك صحيح يحجي (يقول)...شنو ثلاث بنادق ترحب بكم؟

انتبه حسين الى البالونات المحيطة ببغداد حيث هي موجودة فوق كل قاعدة أمريكية وصارت علامة لها، وحين سأل عن هذه البالونات، أجابه الأصدقاء حيثما ذهب أنها رادارت أمريكية تكشف البعوضة.

وفي الطريق الى الحلة هنالك معسكر كبير للجيش العراقي السابق، وربما هو معسكر المحاويل السابق حيث صار قاعدة أمريكية، وعلامته بالون كبير فوقه، ويكشف البعوضة كما يقولون.

وقبل أن تصل السيارة الى منطقة معسكر المحاويل أقترب صوت صفارة سيارة شرطة أو جيش أو أمن ويسوق بطريقة حضارية، فلكي يبعد السيارات عن الجهة اليسرى الى اليمنى يكسر مسيرة لإخافة السيارات وإجبارها على السير يميناً.

حسين: هذا شنو ... مخبل (مجنون)

حسن: لا هذا مقدمة حماية سيارات مسؤول

حسين: أكو اختراع اسمه سماعة ومكبرة صوت، ... ليش ما يستعملها؟

 

مرت سيارة همفي بصفارتها، وترقص عجلاتها الخلفية بشكل خطير وكأنها تريد الإفلات من السيارة. وعليها جندي يصوب بندقية ثقيلة باتجاه السيارات، وهو يشير بالابتعاد ( بالك ...بالك) ويدور مع بندقيته بشكل مسرحي.

تبعته سيارة أخرى مثلها ويخرج منها شخص يشير بعصبية للسيارات بالابتعداد أو التوقف على اليمين،

ثم تبعتها أربعة سيارات تويوتا كبيرة وضخمة مظللة سوداء وتتبعها سيارتان همفي عليها مسلحين مرة أخرى ويشيرون بالابطاء لبقية السيارات ويقبع بداخلها المسؤول المهم الخائف من الناس.

حسن (ضاحكاً): شوف حسين شنو راح يصير وي هذا المسؤول

حسين (بقلق): شنو...شنو شفت

حسن: هذا رتل أمريكي يريد العبور، وهم يتحركون عادة بشكل بطيء خوف المتفجرات وسيجبر الجميع على الوقوف

حسين (بتعجب): حتى هذا المسؤول!،... أم أن حماية المسؤول ستوقف الرتل الأمريكي الى أن يمر المسؤول

انفجر الجميع بالضحك (عدا حسين)، بمن فيهم سائق السيارة المستأجرة

السائق: أخي حسين...انت شكد صارلك ما جاي للعراق

حسين (بتردد): خمسة وعشرين سنة

تقدمت شاحنة أمريكية كبيرة وفي مقدمتها شيء ممدود طويل في نهايته لوحة معدنية، وصارت تتقدم وتتراجع ببطأ. توقفت السيارات جميعاً على بعدأقل من مائة متر من نقطة عبور الرتل.

حسين: هذا بالون كبير، يعني هنا قاعدة أمريكية؟

حسن: أي عيوني...قاعدة خ....ية، انعل أبوهم ..كلهم كلاب، السابقون واللاحقون، نخلص من كلب يجينا جراوه

انتبه حسين وهو ممتعض الى المشهد الذي ضحك منه أخوه أولا وصار بعدها الجميع يضحكون بسخرية

توقفت سيارات المسؤول

توقف الصفارات من السيارات

نزلت البنادق الثقيلة والمدافع الرشاشة الى داخل قمرة سيارات الهمفي

نزل الأشخاص المعتلين السيارات ولم يعودوا يقولون (بالك...بالك)

لم يعد المسؤول شخصاً مهماً فهنالك من هو أهم منه الآن

صفت سيارات موكب المسؤول مع سيارات الناس ولم يخدشها أحد من الناس

نظر حسين بعصبية وصار يتحدث من داخل السيارة وكأنه في حالة هستيريا

حسين يشير الى مجموعة سيارات المسؤول المهم (سابقاً)

حسين: تفضل سيادتك ، مدري سعادتك، ...لو يجوز معاليك...والله ما دري بس أكيد لا فخامتك ولا دولتك

تفضل .... وقوق (صفر) بسيارتك واعبر هذا الرتل.... مو انت مهم.... ولازم الناس توخر (تبتعد) عنك!

انت مسؤول كبير يحرسك فصيل ضخم، .... وشنو على راس هذا الرتل اللي هو كله أربع سيارات... أكيد لو عريف أمريكي لو نائب ضابط

يعني ما تكدر (تستطيع) تفرض كلمتك على عريف وتمر بطريق وشايل خشمك ( أنفك) على الفقراء

شنو تخاف من عريف أمريكي وتعيط على الناس بس!

سبحان الله...بسطال جندي أمريكي يوقفكم كلكم .... انتو وحمايتكم

من طا..... وحظ اللي....

وبدأ صوت حسين يرتفع وهو يشعر بالإهانة الكبيرة

قفز أبوه عليه وقبل رأسه من الخلف وقال له توقف يا بني...توقف، أنت تتكلم مع أحجار لا أكثر

سائق السيارة: صلوا على محمد وآل محمد واستهدوا بالرحمن

حسن: احنا نضحك من نشوف هالمناظر، أشو انت صرت عصبي.

عبر الرتل الأمريكي

أطلقت حماية المسؤول صفارات سياراتها مرة أخرى

شفطت على الأرض وانطلقت أمام السيارات،

وبدأت الرؤوس تخرج مرة أخرى من سيارات الهمفي وابتعدت في الأفق

أطرق حسين يفكر....أيهما كان صحيحاً

ثورته وغضبه.... أم ضحك أخيه حسن وسخريته من هذه الأوضاع