بسم الله الرحمن الرحيم

 

وتعود ذكرى كربلاء

 

 بغداد- رسالة التوحيد - مقالات

 

كما كل عام ... تعود ذكرى عاشوراء الامام الحسين عليه السلام من جديد لتكون عنوان الأيام والليالي، وليدوي نداء الامام عاليا بوجه الطواغيت مرة أخرى قائلا: "والله لا اعطيكم بيدي اعطاء الذليل ولا اقر لكم اقرار العبيد.

 رفع (عليه السلام) هذا الشعار ووقف هذا الموقف في صحراء كربلاء، ليخلد ذكراه في قلوب الاحرار، فكان يردد مقولته الشهيرة: "اني لا ارى الموت الا سعادة و الحياة مع الظالمين الا برما"، وكيف تكون الحياة مع قوم اختاروا خذلان الحق من اجل دنيا ذليلة، وهو الذي تربى وترعرع في مدرسة الرسول صلى الله عليه و اله و سلم القائل: "الشقي من باع اخرته بدنياه و الاشقى من ذلك من باع آخرته بدنيا غيره".

يقف الإمام الحسين عليه السلام اليوم وهو الشهيد الطاهر النقي، وهو الذي قدم فيما قدم في كربلاء أسمى معاني التضحية والفداء بما يعرفه  القاصي و الداني، ليبدأ معركة لن تتوقف حتى يوم القيامة بين الحق والباطل، لذا فإن معركة الحسين عليه السلام لم تنته بعد، فاليوم مازالت عاشوراء قائمة. يقول الشهيد المطهري رحمه الله في ذكرى إمامنا الحسين عليه السلام " استشهد الإمام الحسين ثلاث مرات: الأولى على يد اليزيديين بفقدانه لجسده، والثانية على يد أعدائه الذين شوّهوا سمعته وأساءوا لمقامه، أما الثالثة فعندما استشهدت أهدافه على يد البعض من أهل المنبر الحسيني، وكان هذا هو الاستشهاد الأعظم"

ولا باس في اضافة نقطة الى تحليل الشهيد المطهري (رحمه الله)، وهي ان الحسين عليه السلام قتل للمرة الرابعة،، وهي المرة التي روجت بنو امية احاديث تتعلق بنجاة موسى عليه السلام يوم العاشر من المحرم، وما شابه من تلك الروايات التي تهدف الى التعتيم على كربلاء، ومن ثم الى قتل الحسين من جديد.

في كل عام يواجه الحسين ثلاثة مجموعات، مجموعة من خيرة اصحابه، الذين يضحون و يقاومون الباطل بكل ما ليدهم ابتغاء مرضات الله تعالى، ابتغاء رضوانه و الفوز بالجنان وهؤلاء هم الاحرار في كل عام وفي كل زمان. اما الفريقان الاخران، فهما من لا قيمة لهما في ميزان العرش، الفريق الاول من اعتلى المنبر الحسيني زورا و بهتانا، فحرفوا المسيرة بما ترتضيه اهوائهم و خرافاتهم، فقالوا من على المنابر مالا يوافق كتاب الله وسنة رسول الله وسيرة أهل البيت عليهم السلام، كذبوا على الله و رسوله و الائمة من اهل البيت، اختلقوا احداثا في التاريخ، نسبوا الى الائمة ماهم منه براء، فرقوا بين امة محمد بن عبد الله صلى الله عليه و اله وسلم، فاصبحوا لا ينادون الا بالباطل و يكثرون الكذب و الدجل و البهتان، يضحكون على عقول من استاجروهم، وكل ذلك يفعل باسم العزاء على الحسين، و اذا قام لهم ناصح او مصلح و قال ما يرضي الله ورسوله افتروا عليه كما يفترون على الأئمة عليهم السلام، ومنها أنهم يفترون عليه بأنه انسان ينكر الحسين عليه السلام. يقول الشهيد المطهري رضوان الله عليه في كتابه الملحمة الحسينية عن الإمام الحسين عليه السلام أنه: (( ظُلم..عندما زُج بمظاهر الغلو في مجالسه.. وظُلم عندما اتخذت مجالسه وسيلة لترسيخ الفروقات بين الأمة المحمدية التي بذل روحه لجمع شتاتها والحفاظ على هويتها)).. وهو ما عبّر عنه آية الله مكارم الشيرازي ذات حديث عندما قال: ما زُجّ بمظاهر الغلو في مجالس الحسين – إلا- لينتقصوا من مكانة وعظمة هذه الواقعة الخالدة''.

اما الفريق الاخر فان فتنته وافتراءه يعد الفرية الكبرى الجريمة العظمى التي يشارك أصحابها قتلة الحسين عليه السلام فعلتهم ، فهم من قال بان الحسين مجتهد و يزيد مجتهد!! بقولهم هذا يساوون بين الأمام إبن الرسول المنصوص عليه في السنة النبوية وإبن الطلقاء الفاسد المعاقر للخمر، وعلى الأقل يساوون بين القاتل و المقتول، بين الظالم و المظلوم، وليسوا سواء، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لابي سفيان في معركة أحد "يا ابا سفيان ليسوا سواء، قتلانا في الجنة و قتلاكم في النار" وكذلك الامر هنا، فالحسين عليه السلام و اصحابه ومن استشهد معه ومن سار على نهجه من بعده في الجنة كما نص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (حسين سيد شباب أهل الجنة)، ومن تولى غير ذلك المنهج سلك سبيل الهالكين. فعاشوراء ليست قصة تردد دون وعي، ليست نزاعا بين الامام الحسين عليه السلام و يزيد.

 ولو لم يخطو الحسين عليه السلام نحو كربلاء لكانت الامة اليوم امة خانعة لا تعرف من الاسلام الا رسمه ولا من القران الا قوله، لكانت امة منتهية من زمن طويل، ولكن الامة التي فيها مثل رسول الله صلى الله عليه و اله و سلم الذي خرج من بين ضلوعه اربعة اشخاص كانوا اسس الامة المحمدية؛ وهم الامام علي عليه السلام (في يوم المباهلة)، فاطمة الزهراء عليها السلام (فاطمة بضعة مني من اذاها فقد اذاني)، الحسن الحسين إمامان قاما أو قعدا. فمن  خلال ذلك، نستطيع ان نرى ان جهاد كل من هؤلاء الأبرار الأطهار كان جهادا لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم.

نسال الله العلي القدير ان يوفقنا في عاشورائنا في هذا العام و في كل عام، في هذا اليوم و في كل يوم، ان نسير على نهج الحسين عليه السلام، ان نكون من ينصر بقية آية التطهير، ان ننصره في كل موقف مهما صغر او كبر، وان نكون مع الاصحاب الاخيار الذين يبذلون كل ما لديهم من اجل نصرة امامهم ودينهم. فإما أن نكون حسينيين نبذل الغالي والرخيص والدماء في سبيل الله أو نكون دعاة زينبيين للحق، يقف عند جسد اخيه ويردد قول زينب عليها السلام: "اللهم تقبل منا هذا القربان".

 

محمد حسين الخالصي