سيناريوهان لتكريس العراق المنقسم على ذاته ... بشير موسى نافع
 
 

في رد لاذع على رئيس الوزراء المنتهية ولايته نوري المالكي، قال حيدر الملا الناطق باسم القائمة العراقية "إن التدخل الدولي هو الذي نقل السيد المالكي من حواري السيدة زينب إلى

رئاسة وزراء العراق". ربما لم تكن هذه اللغة الأفضل للجدال مع رئيس الوزراء، ولا هي أفضل لحظات الملا، رغم أن كلماته قررت حقيقة واقعة من السذاجة التغافل عنها أو محاولة إخفائها.

فالتدخل الدولي والتدخل بالحرب والغزو هو بالتأكيد الذي جاء بالمالكي من منفاه الدمشقي إلى موقع الحكم والسلطة في بغداد، ولكن المالكي جعل من التخويف من التدخل الخارجي

موضوعا رئيسا في حملته الجديدة على القائمة العراقية.
 

وخلال الأسابيع القليلة الماضية، ونظرا لانسداد الأفق السياسي داخل البلاد، شهدت الساحة السياسية حركة واسعة في اتجاه الجوار العراقي، كان الحراك الأول كما هو معروف نحو إيران

التي تتمتع بنفوذ كبير في العراق وفي الأوساط العراقية السياسية الشيعية وبعض الكردية. وقبل أن تعلن نتائج الانتخابات شد الرئيس طالباني رحاله للعاصمة الإيرانية طهران، وجاءت نتائج

الانتخابات مفاجأة للقيادة الإيرانية التي بَنَت حساباتها على أساس أن الفوز سيكون نصيب إحدى الكتلتين الشيعيتين: دولة القانون أو الائتلاف الوطني. ولكن الكتلة التي حققت العدد الأكبر

من المقاعد، وإن بفارق ضئيل، كانت الكتلة العراقية؛ ولأن طهران لا تتمتع بنفوذ يرتكن إليه في صفوف القائمة العراقية، أصبح هدف طهران والدوائر السياسية الطائفية -على السواء- منع

القائمة العراقية من تشكيل الحكومة القادمة.
 

السيناريو الأول لتشكيل حكومة موالية لطهران، يمثل الضغط على الكتلتين الشيعيتين الرئيستين للتوحد ضمن ائتلاف برلماني، وإصدار فتوى من المحكمة العليا (غير المؤهلة أصلا لتفسير

الدستور)، تؤكد على أن رئاسة الحكومة من حق التحالف البرلماني الأكبر، وليس الكتلة السياسية التي حصلت على أعلى عدد من مقاعد البرلمان وأصوات الناخبين. وتم إنجاز الهدف الثاني

بسرعة فائقة، عندما وجه المالكي عشية ظهور نتائج الانتخابات رسالة استفسارية إلى المحكمة العليا، وتلقى الرد عليها صباح اليوم التالي، الذي كان بالمناسبة يوم الجمعة، أي العطلة

الأسبوعية. أما الهدف الأول فتطلب جهدا أكبر، فإلى جانب الضغوط على الائتلاف الوطني ودولة القانون للاتحاد، كان لا بد من تأمين دعم الكتلة الكردية. بيد أن الأمور لم تَسِر كما خطط لها في

الساعات القليلة التالية لإعلان النتائج، أو لم تسر بالسرعة المرجوة. وأبدى المالكي تصميما هستيريا على الاحتفاظ بمنصبه، الأمر الذي تعارضه المجموعة الصدرية في الائتلاف الوطني. وثمة

تقارير أفادت أن المجموعة الصدرية لا ترفض المالكي وحسب، بل أي مرشح آخر من حزب الدعوة. من جهة أخرى، لم تمض الكتلة الكردية في الطريق الذي أراده لها طالباني، الذي تربطه

علاقات وثيقة وعلى مستويات عدة بطهران. البارزاني الذي تحركه حسابات أكثر تعقيدا من العلاقات بإيران وتركيا وسوريا، رفض إعطاء تعهد مبكر بدعم تحالف شيعي برلماني. وبمرور الوقت، لم

يعد من الممكن المراهنة على السيناريو الأول فقط، وبدأ بالتالي العمل على سيناريو موازٍ، مع استمرار الدفع باتجاه تحقيق الأول.
 

يتمحور النهج الجديد لحرمان القائمة العراقية من حقها في قيادة الحكومة القادمة حول العمل على تغيير نتائج الانتخابات. وإن هيئة اجتثاث البعث -التي يسيطر عليها أحمد الجلبي، أحد

الأبطال الرئيسيين في مشروع غزو العراق واحتلاله، والذي فاز بمقعد برلماني في الانتخابات الأخيرة بصعوبة بالغة ودعم خفي، وعلي اللامي الذي فشل في تأمين مقعد له في البرلمان

القادم- انطلقت في حملة اجتثاث جديدة تلاحق العشرات من مرشحي القائمة العراقية، بما في ذلك بعض من حققوا الفوز في الانتخابات. ولكن الحملة هذه المرة لا تستهدف اجتثاث

مرشحين وفائزين وحسب، بل واجتثاث أصوات الناخبين التي ذهبت لهم كذلك. بمعنى أن المرشح (فائزاً كان أم لم يفز) يُستبعد من العملية السياسية، وتُلغى كل الأصوات التي ذهبت له. إن

فرضت هيئة الاجتثاث إرادتها، فقد يؤدي مثل هذا الإجراء إلى تغيير نسب الفوز في عدد كبير من المحافظات، وربما تغيير عدد من المقاعد لصالح هذه القائمة أو تلك.
 

وترتكز الوسيلة الثانية إلى فكرة إعادة الفرز والعد في محافظة بغداد التي تشمل عدة ملايين من الأصوات وآلاف الصناديق. وقد تم اختيار بغداد عن سابق تصميم وتصور، نظرا للاختلاط والتداخل

الكبير في أرجائها بين مؤيدي القائمة العراقية والقوائم الأخرى. وإعادة الفرز والعد في محافظات ودوائر جاءت نتائجها في أغلبها لصالح هذا الجانب أو ذاك ما كان سيحقق الهدف المرجو من

تغيير النتائج. ويعتقد أن عملية إعادة الفرز والعد في محافظة بغداد التي بدأت الاثنين الماضي تتطلب أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع. المشكلة في هذه العملية أن المفوضية لم تكن مقتنعة

بجدواها أصلا، وأنها قررت القيام بها بعد تهديدات وضغوط هائلة من دوائر رئيس الحكومة المالكي. المشكلة الأكبر أن ليس ثمة ما يؤكد أن صناديق الاقتراع حفظت في مواضع وتحت رقابة أمينة

طوال الأسابيع الماضية، وأنها لم تتعرض للعبث، أو أن المفوضية العليا للانتخابات لن تخضع للتهديد مرة أخرى وتجري عملية فرز وعد نزيهة، أو أن الرقابة الدولية ستكون كافية خلال عملية إعادة

الفرز والعد.
 

إجراءات الاجتثاث المتتالية للمرشحين وأصوات المواطنين والشبهات التي تحيط بعملية إعادة الفرز والعد هي التي أدت بقادة القائمة العراقية إلى التحرك باتجاه الجامعة العربية والمطالبة

بتدخل عربي ودولي لمنع الانقلاب على نتائج الانتخابات. هذه المطالبة، التي لم تأخذ صبغة رسمية على أية حال، ولّدت السجال بين المالكي والعراقية، الذي شهد رد الملا المهين على

المالكي. ولكن رئيس الحكومة العراقية لم يأخذ المسألة على أنها مجرد انعكاس لسجال سياسي محتدم، وذهب إلى توجيه تهديدات بالقتل إلى الناطق باسم العراقية المقيم الآن في عمّان،

في اتصال قام به أحد أعوان رئيس المالكي. مثل هذا التصرف، مضافا إلى الاتهامات الموثقة التي يوجهها التيار الصدري إلى مؤسسات المالكي الأمنية بالتعذيب والقتل تحت التعذيب،

واكتشاف عدد من السجون الخفية تشرف عليها وحدات أمنية تتبع رئيس الوزراء وتمارس فيها كل أصناف التعذيب ضد المعتقلين من أبناء المحافظات ذات الأغلبية السنية، تكشف حقيقة الصراع

على الحكم في العراق.
 

لم يؤسّس الاحتلال ديمقراطية في العراق، بل مجرد عملية انتخابية تستند إلى واقع سياسي منقسم طائفيا ومذهبيا وقوميا، وغياب فادح لمفهوم الوطن والدولة وعدد من السياسيين من

الدرجة الثالثة الذين لا يفرقون بين الشخصي والعام، وبين الطائفي والوطني، وسيادة منقوصة لصالح النفوذ الإقليمي. في ظل وضع متأزم، وانفجار مستديم للعنف، تورط قادة النظام في جرائم

من كل صنف ونوع، من النهب واسع النطاق لثروات البلاد إلى القتل والتعذيب، وتغلغل النفوذ الإيراني في أغلب مؤسسات الدولة. ولذا، فخسارة السلطة لا تفهم باعتبارها حدثا عاديا في

سياق ديمقراطي تداولي، بل تحمل مخاطر المساءلة عن الجرائم التي ارتكبت، والأرواح التي أزهقت، والأموال التي اختلست، سواء بدوافع شخصية أو طائفية، وتراجع النفوذ الخارجي.