ما بين القضاء والسياسة ... ساطع نور الدين
 
الحكم سياسي من دون أدنى شك. وهو لا يندرج فقط في سياق التوتر السياسي بين مصر وبين حزب الله ومعه سوريا وإيران، بقدر ما يوضع أيضاً في سياق سلسلة من الفضائح التي ارتكبها

القضاء المصري، والتي لا تليق بأي سلطة ثالثة في أي بلد في العالم... وبالتالي تزيد من صعوبة توظيف أحكامه حتى في السياسة التي يفترض أن يكون منها براء.
 

لم تكن مجرد مفارقة مثيرة للسخرية أن تصدر أحكام محكمة امن الدولة ـ طوارئ على خلية حزب الله في القاعة نفسها التي تعاد فيها محاكمة رجل الأعمال المصري هشام طلعت مصطفى

ومساعده حسام السكري المتهمين بقتل الفنانة اللبنانية سوزان تميم... وإن كان المجال متاحاً لتندر لبناني بذلك الظلم القضائي المصري المزدوج لمواطنين لبنانيين وضعوا في قفص اتهام

واحد لأنهم لجأوا الى الإغواء من جهة او الى الانتهاك من جهة إخرى لسيادة مصر واستقلالها وقرارها الوطني او الشخصي الحر! ثمة من تعمد توجيه إساءة إضافية الى الحزب بإفراغ قضيته

حتى من السياسة أو الأمن، وترك الانطباع بأنها أشبه بقضية أخلاقية لا اكثر. وتمضي الطرائف الى حد القول إن العلاقات بين الشعبين وبين البلدين باتت كلها في المحاكم، التي لا يمكن أن

تهدئ بسهولة مشاعر الغضب او الرغبة بالانتقام!
 

ومع ان الجمهور المصري واللبناني كان يراقب إعادة محاكمة المتهمين بقتل سوزان تميم اكثر مما كان يتابع جلسة الحكم في خلية حزب الله، فإن القضاء المصري كان في الحالتين متهماً، إما

بالمحاباة أو بالمداراة... برغم أنه كان يعبر عن عصبية مصرية تتسامح الى حد ما مع فكرة العفو عن مرتكبي جريمة اغتيال الفنانة اللبنانية، وتنشد صدور أحكام قاسية على الحزب اللبناني الذي

مس قائده أهم وربما آخر المحرمات الوطنية، أي الجيش المصري، في خطابه الشهير إبان الحرب الإسرائيلية الأخيرة على قطاع غزة، والذي كان سبباً في اعتقال افراد الخلية وتحويلهم الى

محكمة امن الدولة العليا ثم في إدانتهم وسجنهم بالمؤبد او بما يقل عنه قليلاً.
 

في الحالتين أيضاً، يعتبر الجمهور في البلدين معاً أن القضاء المصري أساء الى نفسه عندما ربط، على الأقل في اختياره لمكان وزمان المحاكمتين، وأكسب المحاكمة الأولى بعداً سياسياً كان

ينكره، وأفرغ المحاكمة الثانية من مضمون سياسي كانت تستحقه... ولم يساعد الجهة غير القضائية التي تدير العملية من خلف اقواس المحاكم، والتي كانت بلا شك تتوقع من القضاة أن

يتصرفوا بطريقة أشد مهنية وحنكة، بحيث يجري تفادي سخرية الجمهور او خيبته، وبحيث تكون المساومة السياسية اللاحقة اكثر سهولة، لا سيما عندما تصل الى حد الإفراج المرتقب من

الجميع عن منفذي جريمة سوزان تميم وعن مرتكبي خطيئة تهريب السلاح الى قطاع غزة...
 

الحملة على حزب الله وقائده كانت بالأمس قاسية جداً الى حد أنها تركت الانطباع لدى الجمهور المصري خاصة أن ثمة من يريد التغطية على فضيحة إعادة محاكمة هشام طلعت... ومن يتعمد

ازدراء القضاء المصري.

السفير