كان، بان جهة اسلامية تقف وراء العمليتين الانتحاريتين. ولم تتردد حتى في الشارع الروسي اصداء تلك الاتهامات الضمنية التي تصدر حكما على دين كامل وعلى نحو مليار ونصف مليار انسان
من اتباعه.
منذ اللحظة الاولى، توجهت الاصابع الى مكان محدد، واستخدم الجميع في موسكو توصيفا محددا بدا كأنه جرى الاتفاق عليه او التواطوء على اعتماده: انهم على الارجح متمردون من شمالي
القوقاز بالتحديد، وهو الاسم الرمزي للمقاتلين الاسلاميين في الشيشان، الذين يخوضون حربا ضارية مع روسيا مضى عليها اكثر من عشرين عاما حتى الان. وشهدت عمليات كر وفر متبادلة،
في بقعة جغرافية واسعة جدا تمتد من آسيا الوسطى وحتى
العاصمة الروسية والمدن الكبرى.
في تفسير هذه الظاهرة يمكن القول ان الروس اقل عداء وحقدا على الاسلام والمسلمين، من الغربيين الذين لم ولن يترددوا في توجيه الاتهام، عقب اي عمل ارهابي من صنع اسلاميين، الى
الديانة الاسلامية ونصوصها كافة بدءا من الكتاب الاول، وفي تركيز الاشتباه على المسلم كمخلوق مركب على العنف والدم والكراهية، وفي شن حملة شاملة على كل ما يمت الى الاسلام
بصلة، من دون تمييز ولا تفريق، وبدافع غريزي وحيد هو الانتقام... مع ان ثمة من يعتقد ان المستوى الثقافي الغربي يكبت مثل هذه المشاعر العنصرية، ويحد من تفشيها، بعكس الثقافة
الروسية التي تبيح الثأر من المسلم بناء على الهوية
الدينية او الجغرافية، وهو ما شهدته شوارع موسكو وسان بطرسبورغ ردا على عمليات
ارهابية سابقة!
مهما يكن، فان كره الاسلام والمسلمين او على الاقل الحذر منهم ليس جزءا راسخا من العقيدة الوطنية لروسيا كما هو الحال في دول غربية عديدة، تستلهم في سلوكها السياسي ادبيات
الحروب الصليبية او ما تلاها من حملات استعمارية... كما لا يشكل تبريرا كافيا لحروب القوقاز التي يعترف الروس انفسهم بانها ذات طابع قومي، اتخذت في الاونة الاخيرة منحى دينيا، عندما
التحقت شبكات اسلامية من مختلف انحاء العالم الاسلامي
بالمقاتلين الشيشان، في معركتهم مع ما يعتبرونه ظلما تاريخيا توارثه الروس على
اختلاف انظمتهم السياسية.
وهي ككل الحروب كانت ولا تزال بشعة ومقززة، سواء دارت تحت راية شعارات وطنية او دينية. ربما زادت بشاعة، جراء استدعاء الدين الى المعركة، لكن تحولها الى حرب استئصال من جهة او
حرب انتحار جماعي من جهة اخرى، كان ولا يزال يعتمد على وقائع تاريخية وربما ايضا على حقائق انتروبولوجية، اكثر مما يعتمد على استحضار صراعات قديمة بين الاسلام والمسيحية
والارثوذكسية.
لذلك تحدثت روسيا بلغة واحدة، بلغت حد تحميل الكرملين المسؤولية، ولم يشعر احد من المسلمين في العالم بالمسؤولية المعنوية او الاخلاقية عن مثل هذه الجريمة البشعة التي لها
سياق سياسي واضح.
السفير