ذرائع بلير وفشل الغزو ...
السير سيريل تاونسيند
في الثالث عشر من ديسمبر الجاري أجرى توني بلير رئيس وزراء بريطانيا (1997- 2007)، والذي لا يزال في السادسة والخمسين من عمره، مقابلة مع المذيعة "فيرن بريتون" مقدمة البرامج
الحوارية في "بي.بي.سي". بدا بلير مسترخيا في تلك المقابلة التي كانت هادئة بشكل عام بيد أن ما لوحظ فيها أن"بلير" كان صريحا بصورة تدعو للدهشة. فعندما سألته "بريتون" عن حرب
العراق، قال إنه كان يعتقد بالفعل أن صدام حسين لديه أسلحة دمار شامل، ولكن "حتى لو لم يكن الديكتاتور العراقي يمتلك تلك الأسلحة فإنه -بلير- كان سيظل على اعتقاده بصواب وضرورة
التخلص منه". ومضى بلير للقول: "لقد بدا من الواضح في ذلك الوقت، أننا سنضطر إلى استخدام وتوظيف حجج مختلفة بشأن تبيان طبيعة التهديد الذي
كان يمثله صدام". ويريد بلير بهذا أن يقول إنه قد أصبح على يقين في ذلك الوقت بضرورة التخلص من الرئيس العراقي بأي ثمن كان.
ولقد اندهشت للغاية، كما اندهش غيري من الصحفيين البريطانيين، من هذه الاعترافات العلنية لبلير الذي من الواضح أنه يواجه موقفا عصيبا بشأن دور بريطانيا في غزو العراق إلى جانب
الولايات المتحدة. ويرجع ذلك لحقيقة أن السياسة التي تتبعها الأحزاب الرئيسية الثلاثة في بريطانيا، لا تعتمد مفهوم تغيير النظام السياسي للدول الأخرى، وإلا لكانت قد طبقته على أهداف
أيسر منالا في التاريخ القريب، منها مثلا السفاح "عيدي أمين" رئيس أوغندا الأسبق، و"روبرت" موجابي رئيس زيمبابوي الحالي.
وكان مجلس العموم قد شهد مناقشة حامية حول غزو العراق في الثامن عشر من مارس 2003 عارض فيها العديد من أعضاء البرلمان الغزو بشكل قوي، وألقى أثناءها بلير كلمة قال فيها:
"إنني لم أقل أبدا أن مبررنا للغزو هو تغيير النظام. كل ما قلته أنه يجب علينا العمل في إطار الشروط المبينة في قرار مجلس الأمن رقم 1441. فهذه هي القاعدة القانونية التي نستند إليها".
في ذلك الوقت كانت بريطانيا تعمل جاهدة من أجل استصدار قرار ثانٍ من مجلس الأمن الدولي يجعل المبرر القانوني لتلك الحرب أقوى بكثير. ولست أعتقد أن بلير كان سيحصل على ذلك
القدر من الدعم الذي كان يبتغيه من مجلس العموم، لو كانت مشاعره الحقيقية معروفة في حينه، وأعتقد جازما أنه كان سيخسر هذه المناقشة الحاسمة في الثامن عشر من مارس 2003
لو كان الشعب قد أدرك حقيقة تلك المشاعر.ولا زلت أيضا أشعر بأن الغزو غير القانوني للعراق، كان فشلا ذريعا لسياسة بريطانيا الخارجية، يفوق ربما فشلها في حرب السويس.
لقد زُج بنا في تلك الحرب بناءً على مبررات زائفة، ودون استشارة وزارتي الخارجية والدفاع حسب الأصول المرعية، بل حتى دون أن يؤخذ رأيهما في الاعتبار بشكل كاف. وقد أتيح لي أن أقابل
عددا من مسؤولي كلتا الوزارتين في ذلك الحين، وأتذكر أن أحدهم لم يتفوه بكلمة طيبة في حق المقاربة التي اتبعتها بريطانيا للحرب عام 2003.
وبعد مرور ست سنوات على ذلك الغزو، لا تزال مشاعري بنفس القوة حول التداعيات التي نتجت عنه. إنه ليصعب عليّ حتى الآن، أن أصدق أن بريطانيا بكل ما تحمله من معرفة بهذا الجزء
من العالم، وبكل خبرتها العسكرية الواسعة، يمكن أن تتصرف على النحو الذي تصرفت به، وبذلك القدر الضئيل للغاية من التفكير المسبق.
في الثالث عشر من ديسمبر الجاري أنهت "صنداي تايمز" مقالا نشر فيه الآتي:
"صحيح أن الأميركيين كانوا يتولون القيادة، لكن الصحيح أيضا أنه كان بمقدور بلير أن يستخدم نفوذه الكبير لضمان مزيد من التخطيط المفصل... لأن ذلك كان كفيلا في حد ذاته بالحيلولة دون
التمزيق الشامل لحزب البعث، ودون الاضطرابات التي أعقبت ذلك، والتي شملت العراق بأسره ولا تزال تتفاعل منذ ذلك الحين... لقد كان بلير على صواب في رغبته الخاصة بتحرير العراقيين،
لكن ما حدث بالفعل هو أنه لعب دورا في خلق الفوضى الشاملة التي لا زالوا يعانون منها".
كل ذلك حق لا مراء فيه. وينبغي أن أضيف هنا أنني لا أزال أشعر بالصدمة جراء القرار الخاص بحل الجيش العراقي، وإرسال الجنود إلى منازلهم بدون راتب وبما يحملونه من سلاح. أين كان
حكام العراق الجدد من الأجانب يتوقعون أن تصل الأمور بعد مثل هذا القرار؟!
السير "كن ماكدونالد"، الحاصل على لقب "مستشار الملكة"، كان في عام 2003 مديراً للنيابات العامة، وهو المنصب الذي حقق فيه نجاحاً كبيراً بفضل قدراته الفائقة ونزعته المستقلة.
وفي الرابع عشر من ديسمبر، ارسل"ماكدونالد" مقالا في غاية الحدة إلى صحيفة "التايمز" يبين فيه كيف أقدم بلير الذي -أسكرته السلطة كما قال- على خداع الأمة البريطانية والزج بها في
الحرب. كان من ضمن ما قاله ماكدونالد في ذلك المقال: "إن درجة الخداع التي انطوى عليها قرار ذهابنا إلى الحرب تزداد وضوحا شيئا فشيئا. لقد تعرضنا لفضيحة ذات أبعاد هائلة في مجال
السياسة الخارجية، وقد غدا من الصعب للغاية الآن أن نتجنب الاستنتاج بأن بلير قد انخرط في عملية مفزعة لاختلاق الأعذار والحجج الباطلة مع شريكه بوش، وأنه لم يكتف بذلك، بل مضى
أيضا لخداع الشعب البريطاني وتضليله والزج به في حرب مميتة -كان الشعب البريطاني قد أوضح بشكل جلي أنه لا يريدها- وعلى أساس يجعل من الأصعب على المرء أن يعتقد أنه هو نفسه
كان يجده جديرا بالتصديق. ولا يسعني في النهاية سوى أن أتساءل: هل لا يزال هناك من هو على درجة من السذاجة تدفعه لقبول فكرة أن عقل رئيس الوزراء في ذلك الوقت قد ظل على ذلك
القدر من الانفتاح البريء بعد الزيارة التي قام بها آنذاك إلى مزرعة بوش في كروفورد بتكساس".
سوف يقدم بلير في العام الجديد، وبشكل علني، ما لديه من أدلة إلى لجنة تحقيق "شيلكوت" التي تم تشكيلها للتحقيق في الحرب ضد العراق. وتقرير هذه اللجنة لن يصدر إلا بعد مضي
وقت على انتهاء الانتخابات البريطانية العامة
القادمة... كما أُخبرنا توا أن رئيس الوزراء براون وبعض زملائه في البرلمان، لن
يمثلوا أمام تلك اللجنة قبل الانتهاء من انتخاب البرلمان الجديد