في مثل هذه الايام من اواخر سبعينيات القرن الماضي سقطت خيارات واشنطن العسكرية ضد طهران في اوحال 'طبس' الايرانية، وتاهت في صحرائها بحثا عن رهائنها دون جدوى! فاذا بـ
'ساعة الصفر' التي اريد لها ان تكون اللحظة الذهبية للانقضاض على الحكم الاسلامي الثوري الوليد آنذاك تتحول وبقدرة قادر الى 'الخيار صفر'، وهكذا خسر رجل الدولة الاعظم المالك لأقوى
الاسلحة التدميرية في حينها اللعبة كلها لصالح ذلك الرجل
الثمانيني الذي لم يكن يملك من الدنيا سوى سجادته وحصيرة متواضعة وبعض من الكتب
ونظارات يقرأ بها قصص القرآن!
في هذه اللحظة التاريخية ايضا تكاد الصورة تكرر نفسها وان بطريقة تراجيدية مختلفة، فروبرت غيتس وكما تسرب من تقريره الشتوي يلوم صناع القرار في بلاده بانهم لا يملكون صيغة منسجمة
لمواجهة التحدي الايراني، وان سلة الخيارات التي بين أيديهم
لم يبق فيها سوى 'الخيار صفر' وبالتالي لم يبق سوى 'الرهان على تغيير محاسبات طهران
وارباك حساباتها' كما يفشي التقرير!
انها 'ازمة اقتدار' الدولة الاعظم المالكة للترسانة الأعظم
من اسلحة الدمار الشامل، امام الدولة المتهمة بانها تضمر في سرها السعي لامتلاك
السلاح النووي!
ولكن من يغير محاسبات وحسابات من هذه الايام، امريكا، ايران، ام العكس؟! من يتابع المناورات الحربية الايرانية الجارية على قدم وساق في المياه الخليجية الدافئة وقرب مضيق هرمز
بقدراتها الصاروخية المتطورة ومنظومة الحرب الاليكترونية
المعقدة هذه الايام، يخال ان ايران تستعد للحرب المرتقبة ضدها وكأنها واقعة غدا!
غير ان من يتجول في اي مدينة ايرانية بما فيها العاصمة طهران يخرج بأنطباع يكاد ينفي من خلاله اي احتمال لوجود سيناريو حرب يمكن ان تقع ضد هذا البلد في المدى المنظور على الاقل!
هذه هي ايران كانت دائما هكذا وهي تعزز مكانها ومكانتها بكل اقتدار منذ ان تحولت من ضفة اللاخيار الامريكي الذي كانت رازحة تحت وطأته، الى ضفة القرار الوطني المستقل وبقيت على
هذه الصورة المركبة كما تظهر في الوقت الحاضر ويبدو انها مستمرة على هذا المنوال الى ما شاء الله! فهي من جهة لا تخشى الحرب ان لم تكن 'مشتاقة' لها لتلقين ما تسميه بالاستكبار
العالمي درسا لن ينساه لانه يتطاول على قامة ثورة يعتقد انها بلورت الشخصية الايرانية المستقلة بشكل نهائي! وهي من جهة لا تريد لهذه الحرب ان تقع لانها تعتقد بان منطق تاريخها الضارب
عميقا في تاريخ الأمم الصانعة للحضارة والتمدن، هو اقوى من
منطق الحروب وتكسير العظام!
بين هذه وتلك من النظرتين او بين ذلك وهذا من الزمنين يقود احمدي نجاد ايران الدولة والمجتمع ضمن جدول من الاولويات يعتبر الى حد ما نوعا من 'خريطة طريق' كما يصف البعض برنامجه،
نحو التحرر والاستقلال الناجز لانتزاع ما يمكن تسميته بالاعتراف بجمهوريته العلية على انها الدولة الاقليمية الاعظم في بلاد الشرق الجديد التي يساهم خطابها 'المناكف' لواشنطن
وسياساتها، في تظهيرها وكانها الشريك الذي لا بد منه لإعادة صياغة المعادلة الدولية بعد تعثر المشروع الامريكي في المنطقة! الملف النووي بات وراءها، هكذا تتعاطى طهران مع هذا الملف
الذي يقيم الدنيا ولا يقعدها، وتعتقد حكومة نجاد جازمة بان العالم وكيفما توافق او افترق على العقوبات 'الذكية' او الغبية كما هي تسميها، فانه لن يستطيع ان يغير شيئا اساسيا لا في
انشطة ملفها النووي الماضية فيه حتى النهاية ولا في نشاط وحيوية المجتمع الايراني الذي يبدو انه عقد اتفاقية صلح او مصالحة او 'اتفاق جنتلمان' غير معلن بينه وبين الحكومة بان تكون
السياسة لها وحدها بينما تأخذ هي ما تريد من الحريات الاجتماعية في غاية المرونة وذلك على طريقة المثل الايراني الشهير 'هل رأيت الجمل لا ما رأيته ؟!'. لا حرب في الأفق اذن بالحسابات
المنظورة، لكن ذلك لا يمنع مطلقا من ان تبقى طهران العسكر والامن والاستخبارات والديبلوماسية في اعلى درجات الجهوزية لمواجهة اي طارئ محتمل، فالحرب خدعة والعدو ليس من النوع
التقليدي العادي، لا سيما اذا ما ربطنا ملفات المنطقة بعضها
بالبعض الآخر!
فمنوشهر متكي يهدد بتفعيل معاهدة الدفاع المشتركة مع دمشق،
وهي المعاهدة التي تقول بان الدفاع عن اسوار دمشق من ضروريات الدفاع عن اسوار
طهران!
واحمدي نجاد يطالب القوات الاجنبية بترك المنطقة على وجه
السرعة وتفكيك المعسكر المتقدم لها المسمى بدولة اسرائيل اي الكيان العنصري
الصهيوني !
والمرشد الاعلى للثورة والبلاد يحذر مما سماه بمحاولات باراك اوباما التضليلية وانتقال سمة الخطاب الامريكي من مرحلة ما سماه بـ'الطبيعة الثعلبية' الى ما سماه بـ'لغة الذئاب'، ويحزم امره
ويجزم بانه لن يسمح مطلقا بعودة الهيمنة الامريكية مرة اخرى على ايران بأي شكل من الاشكال. في هذه الاثناء فان الاسرائيليين يحاولون ان يصوروا المنطقة وكأنها على كف عفريت، وانها
اشبه ببرميل من البارود، يزعمون بانه لن يمنع اشتعاله الا بالسيطرة على الطموحات النووية الايرانية! هذا فيما يستمر شد الحبال بين واشنطن وتل ابيب حول اقل الاساليب كلفة واكثر الطرق
امنا للخروج من هذا المعترك المتشابك بين الملفات التي باتت تؤرق صانع القرار في الدولة الاعظم! انها الشرنقة كما يحاول احدهم وصفها تلك التحديات التي تتنامى بوجه اسرائيل وامريكا،
بسبب اصرار الاولى على عدم الاعتراف بحقوق الغير، وانغماس
الثانية بمستنقعات ووحول الحرب الكونية ضد ما تسميه بالارهاب من جهة، واصرارها على
الدعم المطلق لاسرائيل.
شرنقة ان تركت هكذا دون مبادرات للحل، تزيد من شدة الخناق حول عنق الاثنين، وان استمر الاثنان على موقفهما المعروف في مكابرته وعدم الاعتراف للآخر بأي حقوق تذكر، فان الامور
ستكون اكثر تعقيدا مما يتصوران، وقد تتحول في لحظة ما الى سيف قاطع سيفك الشرنقة بلا ريب، لكنه قد يقطع ليس فقط رقبتي القوتين المكابرتين، بل قد يأخذ في طريقه رقاب العديد من
الحلفاء والاصدقاء ممن رهنوا رقابهم او وضعوها تحت تصرف من
ظنوا انه الأدهى والاقوى في معادلة الحرب والسلام!
بحساب الضرب والقسمة والطرح والجمع البسيطة قد تبدو الحرب احد الخيارات الممكنة لتغيير الصورة الخانقة على خصم ايران اللدود، ولكن في حساب المعادلات الرياضية المعقدة والمفاجآت
غير الواردة في مادة الحساب العادية قد يكون مثل هذا الخيار
هو العمل الاخير الذي قد يقدم عليه البعض قبل أن ينهي فيه حياته كما يتردد في بعض
كواليس المنطقة!
هذه هي الصورة المروعة التي تلاحق حكومة تل ابيب، قبل ان تقدم على اية خطوة تجاه اي من الاطراف المتحالفة ضدها من غزة الى بيروت الى دمشق وصولا الى طهران، وهي نفسها
الصورة التي تلاحق ظلالها صانع القرار الامريكي، وهو يطارد صانع القرار الاسرائيلي لمنعه من خطوات حمقاء قد تطيح بما تبقى له من هيبة او مصداقية لدى حلفائه او اصدقائه من العرب او
المسلمين! انه زمن اللاخيار في سلة الخيارات، الذي بات يعيشه الحليفان الاستراتيجيان، في ظل تشكل معادلة اقليمية رادعة حاولت صورة المشهد الدمشقي الشهير ان تلخصه يوم التقى
القادة الثلاثة امين عام حزب الله اللبناني والرئيس احمدي نجاد والرئيس بشار الاسد في قصر الشعب السوري قبل مدة، ما جعل واشنطن ترجح 'الخيار صفر' ضد طهران بالذات امام 'ساعة
الصفر'التي يبدو ان حكام تل ابيب باتوا يتحسرون عليها بقدر ما باتوا يرتعبون منها!