الكمالات الروحية: مقدمة في علم الاتصال الإنساني

بقلم: زهير الأسدي

القسم الأول


إذا ما أرسل احدهم إليك برسالة خطية أو سمعية أو بصرية أو تحدّث معك مباشرة أو على الهاتف أو الحاسوب , فإن ذلك يعني أن عملية اتصال (معلوماتي) قد جرت بينك وبينه , وهذا هو المبدأ الأساس الذي تستند عليه جميع نشاطات الإعلام المختلفة, وحينما تفتح قناة إذاعية أو تلفزيونية أو انترنت أو تقرأ صحيفة أو كتاب, فإن سيل من الرسائل المعلوماتية يتدفق نحوك فتكون طرفاً في العلاقة مع الجهة التي تصدّر لك تلك الرسائل .

 ولا ينحصر الأمر (الأتصال) في تلك المظاهر فحسب , بل يشمل جميع عناصر الكون الطبيعية والصناعية التي تحيط بك من جميع الجهات , فأنت حينما تتجول في الأسواق والطرقات وتدخل الأبنية والقاعات , وتمارس عمالك , وتتعايش مع إفراد أسرتك وأصدقاءك, إنما تتصل بعناصر الكون من حولك في علاقات تفاعلية متبادلة , ومن حيث تشعر أو لا تشعر فإنك تستلم من المحيط رسائل معلوماتية مستمرة على هيئة إيحاءات وإشارات ورموز ينبغي أن تتعامل معها بوعي وحكمة لكي توظف ما هو إيجابي منها في أمور مفيدة, وترفض ما هو سلبي فلا يكون له أي تأثير, وسواء رغبت أم لم ترغب أنت طرفاً في العلاقة مع تلك العناصر التي تتصل بك أو تتصل بها , وأن الكثير من تلك الرسائل المرسلة إليك من المحيط تساهم بدرجات متباينة في صنع انفعالاتك وأفكارك وحالاتك النفسية ينبغي عليك أن تنفتح على كل ما هو إيجابي ومفيد وترفض الاتصالات السلبية وتعوّد علقك بمظهريه الظاهر والباطن على رفض الإيحاءات السلبية وتطردها من دائرة وعيك.

 ولعل أخطر ما في الأمر أن الكثير من الرسائل الاتصالية تساهم في صنع القرار عند الناس , وها هنا تكمن أهمية وخطورة المعلومة في عملية الاتصال ,إنها تشكل قناعات واتجاهات وعقائد الناس من حيث يشعرون أو لا يشعرون, وعلى هذا يجب على الإنسان الواعي ( المؤمن) أن يبقى على أتصال دائم مع الحق تعالى مجده ( عن طريق الصلاة وقراءة القرآن والأدعية والتسبيح وذكر الله ) لكي تكون جميع قراراته بوحي منه تعالى مجده الذي لا يأتي منه إلا الخير والبركة, ولعل الصلاة التي يؤديها المؤمن تعتبر من أهم مظاهر اتصال العبد  بربه , حيث يكون طرفا في العلاقة مع الخالق العظيم فيكتسب الكمالات الروحية والراحة والسكينة والوقار .
ولتلك الأسباب فإن العلاقة مابين الاتصال وعلم النفس علاقة ضرورية تلازمية لا انفصال بينهما أبدا ,( سوف نتطرق إليها في فرص قادمة إن شاء الله تعالى) والإعلام الناجح هو الذي يستند على أكبر قدر ممكن من مبادئ علم النفس , ويفهم طبيعة عمل عقل الإنسان الذي يعتبر القائد المركزي للكائن الآدمي .


ولقد كتب البعض من العلماء والباحثين عن هذا الموضوع , وقيل أن هذا العلم لم يظهر إلى النور إلا في منتصف القرن الماضي , حيث وضعوا له قواعد وقوانين ونظريات مختلفة وأصبح يدرس في الجامعات والمعاهد المتخصصة .


أقول : ليس صحيحاً ما يشاع أن علم الاتصال ( المعلوماتي) قد نشأ في منتصف القرن العشرين , ولا هو من ضمن العلوم المصنفة حديثا , بل هو علم قديم جداً قدم الإنسان , ولما كان الأتصال من الصلة وهو علاقة ما بين طرفين , فإن الصلاة ـ وهي علاقة ما بين الخالق والمخلوق ـ عن علم ودراية من أوضح مصاديق علم ( وممارسة) الاتصال , ولما كان أبو البشرية آدم عليه السلام يصلي ويتصل بالله تعالى مجده , فإن علم الاتصال قد بدأ بآدم عليه السلام وسوف يستمر إلى نهاية الزمان , بل إن علم الاتصال أقدم من آدم نفسه , وكان يُمارس من قبل عناصر الكون من قبل خلق آدم عليه السلام , حيث جميع الموجودات بما فيها التي تسمى( جامدة) تسبّح وتصلي لله (أي تتصل به تعالى مجده) فالموجودات السابقة لآدم عليه السلام كانت تمارس الأتصال ( الصلاة) مع الله عن علم ودراية بدليل قوله (( كل قد علم صلاته وتسبيحه)) أي جميع الموجودات تمارس الصلاة والتسبيح عن علم ودراية . والقرآن الكريم في آيات كثيرة جدا قد أخبرنا عن هذه الحقائق و لغات المخاطبة عند الكائنات ( نحو الهدهد والنملة والجبال ) التي كان يفهمها الأنبياء عليهم السلام .
ولما كان الأتصال علاقة ما بين طرفين , وغالبا ما يكون بهيئة إرسال واستقبال, فإن جميع الكائنات التي حولنا إنما تمارس الأتصال وبلغات شتى , مثل لغة الحركة ,الإيحاء , الشكل , اللون ,العطر, ونحو ذلك , فالوردة الجميلة مثلاً ذات العطر الفوّاح , إنما تمارس عملية أتصال فهي ترسل برسائل جمالية إلى البيئة المحيطة بها وكأنها تخاطبهم وتقول ( ها أنا موجودة , أنا وردة ذات ألوان جميلة وعطر فواح , وملمس ناعم و...الخ) كما لو كانت إذاعة سمعية ومرئية وشمية ولمسية ترسل برامجها للإنسان (وغيره) فيستلمها بدرجات متباينة من الفهم والإدراك.
وهكذا جميع عناصر الكون من حولنا دونما استثناء ترسل برسائل إعلامية وبلغات مختلفة نحو جميع الاتجاهات , على الإنسان أن يضبط رادارات وعيه وقلبه على موجة (الحق) لكي يستلم البث ويفهمه. وجميع تلك العناصر إنما تظهر على قدر سعتها سمات هوية الخالق العظيم الذي يظهر نفسه في مرآة الكون , ( كنت كنزا مخفيا فخلقت الخلق لكي اُعرف ـ حديث قدسي), وعلى حسب هذا الحديث القدسي , فإن الله تعالى مجده هو الذي يرسل بتلك المعلومات عن نفسه من خلال مخلوقاته لكي يُعرف, وهناك مقولة مشهورة عند العرفاء رضوان الله عليهم تقول (( ما من شجرة إلا وتقول أنا الحق ,ولكن ليس هناك مثل موسى ليسمع النداء)) فالله الموجود في كل شيء ولا يخلو من وجوده شيء ــ  المتحرك بذاته والمحرك لغيره ــ هو المصدر الأول في تلك الرسائل التي تنبعث من الكائنات .
ولما كان الله هو الخالق لكل شيء وهو تعالى مجده ظاهر وباطن ( هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم) فإن جميع مظاهر العلم في النشأة يجب إن يكون مصدرها الله تعالى مجده , ولا يمكن أن يكون هناك علم أو مصداق بمعزل عن الله , لأن الله هو الوجود الصرف  والمعزول عنه يكون في العدم وغير موجود في النشأة بالمطلق.
وعلى هذا فإن جميع العلوم دونما استثناء (بما فيها ) علم الأتصال مصدرها الله تعالى مجده , وعلم الله الموجود في الكون إنما إشارات ورموز ظاهرة و باطنة تبث منذ الأزل وإلى الأبد, ودور الإنسان كما دور بقية عناصر الكون يأتي بالعنوان الثانوي ,انه مجرد مرآة تعكس للوجود ما ارتسم فيها من نور الله وعلمه , ولعل هذا احد معاني قوله تعالى مجده :
(
اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (النور35)

 

القسم الثاني

 

الكمالات الروحية: الاتصال بالكون وفهم كائنات الطبيعة من حولنا

زهير الأسدي

بعد أن تحدثنا عن الاتصال المادي للإنسان بالكون , نأتي الحديث عن اتصاله المعنوي بالكون ,
هناك نوعين من الاتصال المعنوي بالكون وعناصره , احدهما من الكون باتجاه الإنسان , والآخر من الإنسان إلى الكون , هذا الأخير أهم وأكثر تأثيرا لأنه يعتمد على ما يصدر عن الإنسان من نوايا وأفكار تخزن وتجمع ضمن رصيده الذي يؤلف كيانه .
اما اتصال عناصر الكون بالإنسان فيكون من خلال المؤثرات المعنوية التي تدخل علقه من المحيط , وهذا يشمل جميع العناصر التي تصدر منها معاني وإشارات إيحائية ,
مثل ( الناس من حولك , التلفاز , الراديو , الكمبيوتر , الكتب , الهاتف , الأصوات التي تسمعها , المناظر والأشكال والألوان التي تتصل بحواسك , الروائح التي تشمها, البنايات التي تشاهدها , الادوات التي تستخدمها خلال يومك , والملابس والإكسسوارات والحلي التي تلامس جسمك والتي تنظر اليها ’ اللوحات الصور .. ونحو ذلك ,
وأما اتصال الإنسان بالكون , فأعظمه وأشده تأثيرا هو اتصال الإنسان بالله العظيم تعالى مجده , عن طريق الصلاة , وأن الصلاة إذا ما كانت مستوفية للشروط فإنها تعتبر اتصال المحدود بالمطلق , اتصال الجرم الصغير المختزل عن الكون العظيم بأصل الوجود المطلق , يعطي للإنسان قيمة روحية هامة ومؤثرة , يستفيد منها في دنياه وآخرته .


وهناك اتصال الإنسان بنفسه عن طريق التفكير الذاتي : و هذا يشبه اتصال الإنسان بربه , لأن النفس نفحة من نور الله , هذا التفكير يجب أن يكون ايجابيا ويتناول المواضيع الحسنة ., لكي تكون الطاقة الروحية المحيطة به ايجابية تجذب مثيلاتها من الكون وتطرد المتضادات السالبة ( إن الحسنات يذهبن السيئات).
اتصال الإنسان بالملائكة , ويكون ذلك من خلال التكثير من الأعمال الخيرة الحسنة , حيث كلما كانت أكثر وأعظم درجة كلما كانت فرص تنزل الملائكة على فاعلها اكبر .
وأيضا اتصاله بالناس من حوله بصورة مباشرة أو غير مباشرة عن طريق مباشر أو الهاتف أو الانترنت أو ... ونحو ذلك , و اتصاله بالطبيعة من حوله , والأدوات التي يستخدمها ,
إن تلك الاتصالات التي تصدر عن الإنسان أو التي تأتي إليه من الخارج هي التي تحدد نمط تفكيره ومقداره سعادته أو شقاءه , حيث كلما كانت اتصالاته ايجابية كلما كان أكثر راحة وسعادة ,وابعد عن المرض والفساد ,
والعكس بالعكس .
روي عن النبي (صلى اله عليه وآله وسلم) انه في بداية وجوده في المدينة حينما يريد أن يخطب بالمؤمنين كان يصعد على جذع نخلة , وقد رأته إحدى الصحابيات فأرادت ان تصنع شيئا مفيدا للنبي وللامة , فأمرت عبداً لها أن يصنع للنبي (ص) منبرا من الخشب وأهدته له , ولما صعد النبي (ص) على المنبر الجديد وترك جذع النخلة , سمع صوت أنين ونحيب يصدر عن الجذع حزنا على مفارقه اشرف خلق الله له , فنزل النبي (ص) من المنبر واخذ يمسح بيديه الكريمتين على الجذع ليطمئنه ويخفف من حزنه .
نحن نعتقد بحقيقة هذه الأشياء والأمور ونجزم بان كل ما صدر عن الحق تعالى مجده قد نال حظاً من علم ونور وشعور على حسب مرتبته في الوجود , وإن جميع الكائنات تصلي وتسبح لله تعالى مجده ( كل قد علم صلاته وتسبيحه ) وإذا أردت أن تفهم أو تطلع على تسبيح الكائنات ولغاتها في المخاطبة لبعضها البعض وللإنسان , فابدأ بمصادقه تلك الكائنات وتحاور معها بمحبة وصدق وتعامل معها على انها ذات شعور وعلم ومرتبة من مراتب الفهم والاستجابة .


إن الحالة المثالية في اتصال الإنسان بالكائنات من حوله أو المفترض أن تكون هي :
ان يتعامل الإنسان مع ما حوله بامانة وصدق وإخلاص و أن لا تصدر عنه معصية أو ذنب نحو الآخرين أو نحو نفسه ( النفس نفحة من روح الله من ظلم نفسه فقد ظلم الله ) وهذا يشمل نفوس الآخرين التي هي نفحات من روح الله ,و من يظلم نفسا إنسانيا فقد ظلم الله الموجود فيه, وأن الله العزيز المنتقم الجبار لا يقبل بالظلم ويدافع عن نفسه ويعاقب المذنبين حتما في الدنيا وفي الآخرة .
إن الصدق والإخلاص للناس ولعناصر الكون من حولنا يعني ببساطة إخلاص لله الموجود في تلك الكائنات ( لا يخلو من وجوده شيء تعالى مجده) وأننا نرى الحق تعالى مجده في مقام الظاهر في مرآة مخلوقاته التي أعظمها على الإطلاق الإنسان (الإنسان الكامل ـ المعصوم), فإذا ما تعاملنا مع الناس وعناصر الكون من حولنا بمحبة وصداقة ونحاورها بالتي هي أحسن , فإن الله الموجود في تلك الكائنات يرضى عنا ويبادلنا نفس الشعور مع مكافأة منه تعالى مجده , ونحيا وسط علاقات حميمة مع الأحباب والأصدقاء من حولنا وهذا يشمل جميع الكائنات الحية والجامدة على السواء .
واعلم أن جميع الكائنات ( حتى التي تسمى جامدة) حية وذات عقل وشعور , يستطيع المعصوم أو العارف الواصل ان يسمعها ويتخاطب معها , ويعمل معها علاقات صداقة وتفاهم , وأيضا يستطيع أن يحولها من حال إلى حال , انها تفرح لما يعطيها الإنسان المؤمن( الكامل ) جزء من اهتمامه وعطفه وحنانه , وقد تبادله نفس الشعور , وتستجيب لإرادته .
وإذا ما صادقنا وأحببنا الكون وعناصره من حولنا , فإنه يبادلنا الحب والإخلاص أو على الأقل لا يعادينا ولا يؤذينا , ونحيا بلا توتر ولا قلق ولا صراع ولا محرضات على الخطأ ولا إغواء ممن حولنا, لان جميع ما حولنا والأدوات التي نستخدمها نحبها وتحبنا , وحتى الكائنات أو الأدوات التي تدخل ضمن نطاق السالب أو الفساد, يمكن مصادقتها أو تحييدها على الأقل لنأمن شرها , بل يمكن تحويلها إلى كائنات وأدوات مفيدة نافعة من خلال إضفاء عليها قيمة معنوية أو مادية تكميلية تخرجها من الفساد إلى الكمال .
إن الكون من حولنا ببساطة عبارة عن مخزن ومستودع للأفكار والمواقف والثواب والعقاب و يرجع للناس أفعالهم التي تصدر عنهم وعلى حسب النية , فإذا ما كانت النوايا حسنة والإنسان يرسل إلى المحيط أفعال حسنة فإن هذه الأفعال تدور دورة كاملة وتعود على مصدرها التي انطلقت منه ( الإنسان) فكما تدور الأقمار حول الكواكب , وكما تدور الكواكب حول الشمس , كذلك تدور الأعمال والنوايا حول الإنسان الذي يطلقها .