مفهوم الشهادة في مدرسة الطف الخالدة...احمد الربيعي

تعتبر واقعة الطف من المنظور التاريخي واقعة عسكرية جرت في العام 61 من الهجرة النبوية بين معسكرين ، معسكر السلطة الحاكمة (الخلافة الاموية) وبين مجموعة من الثائرين ، الذين يرفضون مبايعة الحاكم الاموي (يزيد ابن معاوية –عليه اللعنة والعذاب) وعلى راسهم الامام الحسين بن علي بن ابي طالب (عليهم صلوات الله وسلامه) ابن فاطمة بنت محمد رسول رب العالمين (عليهما صلوات الله وسلامه). وعذرا الى سيدي ومولاي الحسين عليه صلوات الله وسلامه كوني لا استطيع ان احيط بجميع مفاصل الحركة الحسينية والتي لن يتمكن أي فرد من الاحاطة بجميع ما تكنه من مضامين وعبر ، ولكن من لا يدرك كله لا يترك بعضه، ولكون معنى الشهادة والتضحية تجسد بكل ما تحمله الكلمة في واقعة الطف في كربلاء، لذلك فلا بد لنا من القاء الضوء على معنى الشهادة والتضحية في المنظور الاسلامي .

ثمة كلمات لها في عرف البشرية عامة وفي عرف المسلمين خاصة قدسية وعظمة واحترام، العالم والفيلسوف والمخترع والبطل والمصلح والمجتهد ...الخ كلمات بعضها مقرون بالعظمة والاحترام بين البشر بشكل عام والبعض الاخر تحمل صفة خاصة عند المسلمين ومن الطبيعي ان اللفظ لا يحمل طابع القداسة بنفسه بل بما ينطوي عليه من معنى، كلمة الشهيد مقرونة بالقداسة والعظمة في جميع اعراف المجموعات البشرية مع اختلاف الموازين والمقاييس اما في المعايير الاسلامية فان الشهيد هو الذي ينال درجة الشهادة ، أي الذي يبذل نفسه على طريق الاهداف الاسلامية السامية ومن اجل تحقيق القيم الانسانية الرفيعة وهو بذلك يبلغ اسمى درجة يمكن ان يصل اليها الانسان في مسيرته التكاملية.

وقد صرح القرآن الكريم عن مكانة الشهيد (ولا تحسبن الذي قتلوا في سبيل الله امواتا * بل احياء عند ربهم يرزقون) آل عمران /169، اذن الشهيد وبشهادة وبحجة القرآن المجيد حي لا يموت ، ليس كغيره من الاموات ممن رحلوا عن هذه الدنيا ، ورزقهم من ربهم كونهم قدموا ارواحهم في سبيل الله وتخلوا عن كل الملذات الدنيوية وارتضوا لإنفسهم وبشكل طوعي ترك الاهل والمال وتحمل المصاعب ابتغاء مرضات الله ، اذن حق على الله ان يكون هو الرازق لهم .

ومن خلال النظر الى واقعة الطف نلمس ان الامام الهمام ابي عبد الله الحسين عليه صلوات الله وسلامه وبمعية اهل بيته واصحابه كانوا المصداق الواقعي والحقيقي لفكرة الاتجار مع الله كونهم قدموا انفسهم طلبا لرضا الله ، وليس هذا وحسب بل ان امامنا المفدى قدم كل شيء لوجه الله حتى وصل الامر الى رضيعه ، اضافة الى ما يذكر لنا التاريخ من بعض ما حدث في ذلك اليوم الخالد بمضامينه وصوره ، حيث كلما اقترب الامام الحسين (عليه السلام) من الشهادة يوم عاشوراء كان وجهه يزداد تألقا وكان اصحابه يزدادون تلهفا للاستشهاد ، كان الجميع يعلم انهم مستشهدون عما قريب ، كانوا يتسابقون الى الشهادة لانهم كانوا يعون وعلى بينة من امرهم الى ما هم منقلبون ويدركون ماذا يستهدفون من المجيء ، ويعلمون انه ماتوا لاداء واجب الهي ولصيانة الاسلام. حيث اننا نجد وكما تذكر بعض الروايات انه كلما اقترب ظهر يوم عاشوراء ازداد وجه الامام الحسين (سلام الله عليه) تالقا ونورا لانه كان يرى انه يجاهد في سبيل الله لذا فانه لا يعد فقدانه لاعزته خسارة بل بل يعتبرهم ذخائر لعالم البقاء والخلود.



وللشهادة ركنان، الاول : قدسية الهدف والموت على طريق تحقيق هذا الهدف المقدس (في سبيل الله). الثاني: ان تكون الشهادة قد تمت عن علم ووعي. وللشهادة ايضا وجهان ، وجه مقدس في انتسابها للمقتول ووجه بشع اجرامي في انتسابها للقاتل . وفي واقعة الطف تجسد معنى اركان الشهادة ، حيث ان قدسية الحركة الحسينية المباركة كانت شاهدة وظاهرة ، حيث يصرح صلوات الله عليه وسلامه (لم اخرج بطرى ولا مستهترا انما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي) اذن حركته سلام الله عليه هي حركة اصلاحية لاعادة الدين على طريق الصواب ونبذ الانحراف الذي بدا ينخر في جسد الامة بما يقوم به ازلام السلطة الاموية، حيث يبين الامام سبب رفضه المبايعه ليزيد (عليه اللعنة والعذاب) – (يزيد شارب الخمور قاتل النفس المحترمة اللاعب بالفروج المرتكب للمحرمات ومثلي لا يبايع مثله) .

وبذلك يفتح الامام باب الجهاد والتضحية وحيث ان انسان القرآن موجود مرتبط بالايمان ومتحرر من كل شيء اخر، وهو الموجود الذي يهاجر لينقذ ايمانه ويجاهد لانقاذ ايمان المجتمع وبذلك يضع امير المؤمنيين علي ابن ابي طالب عليه صلوات الله وسلامه اسس الجهاد في الشريعة الاسلامية بقوله (اما بعد فان الجهاد باب من ابواب الجنة فتحه الله لخاصة اوليائه وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة وجنة الوثيقة فمن تركه رغبة عنه البسه الله ثوب الذل وشمله البلاء وديث بالصغار والقماءة وضرب على قلبه بالاسداد واديل الحق منه بتضييع الجهاد وسيم الخسف ومنع النصف) وهنا يتضح لنا قول الامام في خطبته قبل اشتباك السيوف (وقد خيرت بين السلة والذلة وهيهات منا الذلة يبئ الله لنا ذلك ورسوله وحجور طابت وانوف حمية ...الخ) اذن الامام ينبذ الذلة حتى لو ادى ذلك الى دفع حياته وحياة اهل بيته واصحابه.

وفي الختام فقد اعد الله سبحانه وتعالى للشهيد جائزة ومكافئة ، اما في الدنيا فان الشهيد يخلد في المجتمع عن طريق دمه أي عن طريق الدم الجديد الخالد الذي يهبه لديمومة الحياة المحترمة للمجتمع وبعبارة اخرى يكتسب الشهيد صفة الخلود عن طريق تقديم حياته ووجوده الى الله وبهذا المعنى يقول الرسول الاكرم صلوات الله عليه وآله (فوق كل ذي بر بر حتى يقتل المرء في سبيل الله فليس فوق ذلك بر) ، اما الجائزة الاخرى التي يهبها الله تعالى الى الشهيد فانها جائزة اخروية وايضا تقع فائدتها للمجتمع إلا وهي الشفاعة حيث ورد في الاثر ان الله يقبل الشفاعة يوم القيامة من ثلاث طبقات (الانبياء ، العلماء ، الشهداء) وهنا ينبغي ان نوضح معنى الشفاعة وهي شفاعة الهداية ، انها تجسيد لما حدث في الدنيا، فعن طريق الانبياء اهتدى الناس ونجوا من الظلمات واما العلماء واقصد هنا العلماء الربانيون بما فيهم وعلى راسهم الائمة المعصومون والرهط الصالح من اتباعهم ومن سار على دربهم وهؤلاء ايضا ساروا على طريق الانبياء واخرجوا الناس من الظلمات الى النور (الله ولي الذين امنوا يخرجهم من الظلمات الى النور) والشهداء ينهضون بنفس الدور يضيئون الدرب امام الناس فيهتدي من يريد الهداية وبذلك يكون الشهداء شفعاء لمن اهتدى بهم. وتعتبر تضحية الامام الحسين يوم عاشوراء عامل مهم الى جذب الفرد الى الالتزام بتعاليم الدين الاسلامي فعند استذكارك واقعة الطف تهون الدنيا وما فيها امام عظم التضحية الحسينية وتكون كما ذكرنا نور يضيء الدرب امام من اراد ان يتخذ الى ربه سبيلا فكان هو سلام الله عليه السبيل والشفيع ولم يحصل هذه الدرجة الرفيعة والمكانة العالية إلا بالشهادة فنعم عقبى الدار والعاقبة للمتقين.

 

ممهدون