المرأة التي تعلم الرجال في مدرستها الرجولة... الشيخ علي الدباغ
وتبدأ رسالة البلاغ من عصر يوم عاشوراء تتحملها اكتاف رقيقة لامرأة (زينب)، المرأة التي تعلم الرجال في مدرستها الرجولة والمروءة والشهامة، المرأة التي تعلمت الرجولة في ركابها الاقدام والشجاعة، ورسالتها اثقل من رسالة اخيها، اولئك الذين امتلكوا شجاعة اختيار موتهم ليفعلوا شيئا غير انهم اقدموا على اختيار عظيم، اما واجب الذين سيبقون احياء من بعدهم صعب جدا، وقد بقيت زينب تجر وراءها قافلة الاسرى وتتقدمها وعلى مد البصر ارتال العدو التي تملأ الافاق وهي تحمل على عاتقها اعباء رسالة اخيها الثقيلة الخطيرة.
انها حين خاطبت يزيد (لعنه الله) خاطبت البشرية جميعا:
( اظننت يا يزيد انه حين اخذ علينا باطراف الارض واكناف السماء فاصبحنا نساق كما تساق الاسارى، ان بنا هوانا على الله، وان بك عليه كرامة؟ وتوهمت ان هذا لعظيم خطرك فشمخت بانفك ونظرت في عطفيك جذلان فرحا، حين رايت الدنيا مستوثقة لك والامور متسقة عليك، ان الله امهلك فهو قوله " ولاتحسبن الذين كفروا انما نملي لهم خير لانفسهم، انما نملي لهم ليزدادوا اثما ولهم عذاب مهين" امن العدل يا ابن الطلقاء تخديرك بناتك واماءك، وسوقك بنات رسول الله (ص) كالاسارى قد هتكت ستورهن واصلحت اصواتهن، مكتئبات تجري بهن الاباعير وتحدو بهن الاعادي من بلد الى بلد، لايراقبن ولا يؤوين، يشوفهن القريب والبعيد ليس معهن قريب من رجالهن، اتقول ليت اشياخي ببدر شهدوا غير متاثم ولامستعظم وانت تنكث ثنايا –ابي عبد الله- بمخصرتك؟ ولم لا وقد نكأت القرحة واستأصلت الشاقة باهراقك هذه الدماء الطاهرة، دماء نجوم الارض من آل عبد المطلب، ولتردن على الله وشيكا موردهم، وعند ذلك تود لو كنت ابكم اعمى، ايزيد والله ما فريت الا في جلدك ولا حززت الا في لحمك، وسترد على رسول الله (ص) برغمك ولتجدن عترته ولحمته من حوله في حظيرة القدس يوم يجمع الله شملهم من الشعث "ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله امواتا بل احياء عند ربهم يرزقون" وستعلم انت و من بوأك ومكنك من رقاب المؤمنين اذا كان الحكم ربنا والخصم جدنا، وجوارحك شاهدة عليك اينا شرا مكانا واضعف جندا، فلئن اتخذتنا في هذه الدنيا مغنما لتجدننا عليك مغرما حين لا تجد الا ما قدمت يداك، تستصرخ بابن مرجانة – عبيد الله بن زياد- ويستصرخ بك وتتعارى واتباعك عند الميزان وقد وجدت افضل زاد تزودت به، قتل ذرية محمد (ص) فوالله ما اتقيت غير الله وما شكوت الا لله، فكد كيدك و اسع سعيك وناصب جهدك فو الله لا يرخص عنك عار ما اتيت الينا ابدا)
الآن مات الشهداء ونحن موتى احياء، صدع الشهداء برسالتهم وبلغوا خطابهم ونحن الصم مخاطبيهم، رحل اولئك الافذاذ الذين امتلكوا ناصية الشجاعة و اقدموا على اختيار الموت لما راوا الحياة متعسرة او مستحيلة، رحلوا وتخلفنا نحن الذين لانعرف الحياء، بقينا فعمرنا مئات السنين، وللدنيا ان تضحك منا وتسخر حين نبكي، نحن نموذج الجبن والذل، ونذرف الدموع على الحسين (ع) وزينب، مثال الحياة والعزة، وهذه صورة اخرى لظلم التاريخ حين ننعى نحن الجبناء قافلة الابطال ونؤبنهم.
لقد ترك الشهداء اليوم خطابهم الذي سطروه بدمائهم وسقطوا على الارض بين ظهرانيها وامام اعيننا واستقرت اجسادهم تواجهها لتحرض القاعدين على المدى التاريخ وتدعوهم للنهوض، لقد وقفوا جميعا بكل مستوياتهم من رضيع الحسين الى اخيه، ومن الحسين نفسه الى عبده، ومن قارئ القران الى معلم اطفال الكوفة، الى المؤذن الى ذاك الرجل القريب او الغريب، والى ذاك الرجل الشريف العظيم ذي الوجاهة و المكانة في المجتمع الى ذاك الرجل العاري من أي فخر اجتماعي. ووقفوا جميعا يواجهون الشهادة على حد سواء ليلقنوا جميع الرجال والنساء والاطفال والشيوخ والشباب على طول خط التاريخ درسا وليعلموهم كيف يحيون ان استطاعوا، والا فكيف يموتون.
انجز هؤلاء الشهداء عملا اخر حين شهدوا بدمائهم لا بالكلمات، شهدوا في محكمة تاريخ الانسان، كلا بالنيابة عن طبقته، شهدوا عن الناس كل الناس والقيم الانسانية جميعها مدانة مضطهدة في ظل النظام الواحد المتفرد الحاكم على تاريخ البشرية، النظام الذي سخرّ السياسة والاقتصاد والدين والفن والفلسفة والفكر والعواطف والاخلاق البشرية وصيرها ادوات بيده ليجعل الانسان ضحية مطامعه ويحول كل شيء الى قاعدة لحكومة الظلم والجور والجريمة.
حكم واحد على التاريخ، ظالم واحد يحكم التاريخ، جلاد واحد يقتل الشهداء وابناء كثيرون صاروا ضحايا لهذا الجلاد ، نساء كثيرات يذوين تحت سياط هذا الجلاد الحاكم على التاريخ.
اليوم جاء الحسين بكل وجوده الى شاطئ الفرات ليشهد في محكمة التاريخ، جاء ليشهد لصالح المضطهدين والظلومين عبر التاريخ، جاء ليشهد لصالح المدانين والمقهورين في حكومة الجلاد الحاكم على التاريخ، يشهد على هذا الجلاد (الضحاك)كيف كان يحطم ادمغة الشباب على طول خط التاريخ، يشهد بعليه الاكبر، ويشهد بان المرأة في ظل النظام الحاكم على التاريخ اما ان تستسلم للاسر فتكون دمية بين عرائس السلطان، تحكمها قوانين – الحريم- و اما ان تتسلح بالحرية فتكون حادية لضعن الاسرى وخليفة لقافلة الشهداء، يشهد بزينبه.جاء الحسين بكل وجوده يشهد في محكمة التاريخ لصالح اولئك الذين لم يسجل ابدا شهادة لصالحهم وانما ماتوا بصمت وسلبوا حق الدفاع.
والآن اختتمت وقائع المحاكمة وانجز الحسين مهام رسالته الالهية وادى ما عليه من مسؤوليات جسيمة، وشهد هو وجميع اعزائه وكل وجوده بافضل الوسائل التي لايقدر علها سواه.