تصدر السعودية ما يقارب عشرة ملايين برميل نفط يومياً، أي ما يزيد على مجموع الصادرات النفطية للعراق وإيران وبقية دول الخليج، في حين لا يتعدى سكان السعودية عشر سكان هذه الدول مجتمعة، ومن المعروف بأن دخل الفرد السعودي هو الأقل بين معظم دول الخليج النفطية، وفيها أعلى معدل للبطالة وأعلى نسبة للسكان تحت خط الفقر بين دول الخليج، فأين تذهب عوائد النفط الضخمة التي تحصل عليها الحكومة السعودية سنوياً؟

تحتسب عوائد النفط ومشتقاته ضمن إيرادات الموازنة السنوية، والتي تخصص لأبواب المصروفات في الميزانية، وتشمل الرواتب والأجور، والمصروفات التشغيلية، والبرامج والمشاريع، ويستحوذ الباب الأول الخاص بالرواتب والأجور على نسبة كبيرة من المصروفات السنوية، نتيجة تضخم عدد الموظفين الحكوميين ووجود بطالة مقنعة كبيرة بينهم، كما يؤدي سوء الإدارة والفساد الإداري إلى إهدار نسبة غير قليلة من المبالغ المخصصة للتشغيل والصيانة، ولكن أوسع الأبواب للهدر والفساد هي مخصصات المشاريع، فمن المعتاد استعمال أمراء آل سعود وكبار المسئولين الحكوميين لنفوذهم وسلطاتهم في ترسية مقاولات المشاريع الحكومية على شركات ومقاولين أجانب ومحليين مقابل رشوات وعمولات ضخمة، تصل في بعض الصفقات إلى مليارات الريالات السعودية، وكلنا نتذكر ما تسرب إلى وسائل الإعلام مؤخراً عن الفضائح المالية لصفقة اليمامة، وما تردد عن تهديد الحكومة السعودية بحظر التعامل مع الشركات البريطانية لو لم يتوقف التحقيق البرلماني والقضائي في قضايا الفساد والرشوة المرتبطة بالصفقة.

طاعة السعودية للأمريكان عمياء بالمطلق، وكل ما تتمناه أمريكا تنفذه السعودية من دون مناقشة، بدءاً بإنتاج كميات من النفط تزيد عن احتياجات ميزانيتها السنوية وخططها التنموية تلبية للتوجيهات الأمريكية، كما أن لأمريكا نصيب معلوم من إيرادات السعودية النفطية، تستوفيها أمريكا بطرق شتى، من أهمها صفقات الأسلحة والصيانة العسكرية الضخمة وتقديم الدعم لحلفاء أمريكا وتمويل العمليات الخاصة للاستخبارات الأمريكية واستثمارات الصناديق الحكومية في الأسهم والسندات الأمريكية.

تشتري السعودية معظم أسلحتها من أمريكا، وهذا تقليد ثابت منذ تأسيس الجيش السعودي والحرس الوطني، وغالباً ما تنطوي صفقات الأسلحة بين السعودية وشركات تصنيع الأسلحة الأمريكية على دفع عمولات ضخمة لوسطاء، وهؤلاء الوسطاء واجهات لأمراء كبار من آل سعود، وعادة ما يختار هؤلاء الأمراء ضباطاً كباراً للمشاركة في التفاوض حول شروط الصفقات مع الموردين لضمان حصولهم على عمولاتهم، وفي ستينات القرن الماضي وقع الاختيار على أحد الملحقين العسكريين السعوديين للقيام بدور الوسيط في صفقة شراء أسلحة، ولكن نزاهة هذا الملحق حالت دون إتمام الصفقة، وبعد فترة قصيرة من إبلاغ رؤساءه عن الإنحرافات في الصفقة المزمع عقدها أحيل على التقاعد المبكر، وظل هذا الضابط الكبير، كما أخبرني أحد أفراد عائلته، محتفظاً ببدلته العسكرية معلقة في دولاب ملابسه، بانتظار استدعاءه للخدمة مجدداً حتى وفاته، بالمقابل فقد أثرى قريب له، شغل وظيفة مماثلة، نتيجة قبوله بدور الوسيط بين وزارة الدفاع السعودية وشركات الأسلحة الأمريكية، ولعله ليس من قبيل الصدفة أن يتوفى هذا الضابط الوسيط بمرض نقص المناعة نتيجة نقل دم ملوث.

عندما اكتسحت القوات الرثة للطاغية صدام الكويت في ساعات، ثم زحفت من دون مقاومة تذكر نحو أبار ومنشآت النفط السعودية، واحتلت مدينة الخفجي تأكد للجميع بأن القوات السعودية سراب بقيعة، وبأن أسلحتها المشتراة من أمريكا غير ذات جدوى، فأين ذهبت طائرات الأف ستة عشر الأمريكية المتطورة؟ يجيبنا على هذا السؤال طيار عسكري سابق في الجيش السعودي: ليست كل طائرات الفانتوم مماثلة، ويضيف بأنه اكتشف هذه الحقيقة أثناء مناورات مشتركة مع طائرات تابعة لقوات الجوية الأمريكية في السعودية، ويتذكر سؤال طيار أمريكي له: هل أصبحت طائرتي ضمن مجال صواريخك؟ فأجابه السعودي بالنفي، فضحك الأمريكي قائلاً بأن طائرة السعودي، وهي من نفس النوع، في مرمى صواريخه منذ وقت غير قصير، والسبب هو أن الطائرات الأمريكية مجهزة برادارات وصواريخ ذات مدى للرصد والتصويب يزيد بأضعاف على النظام الذي يجهز به الأمريكان الطائرات المباعة للسعودية، لأن من غير المسموح به تزويد دولة عرية بأسلحة أمريكية مضاهية في قدراتها للأسلحة التي يزودون بها الكيان الصهيوني العنصري، وبعد اكتشافه لهذه الحقيقة استقال الطيار السعودي من سلاح الجو ليعمل طياراً مدنياً في الخطوط الجوية السعودية.

ويستمر الشفط الأمريكي للأموال السعودية، لأن صفقات الأسلحة تولد صفقات صيانة وتدريب، وهي أبواب مشرعة وواسعة جداً لاستنزاف الأموال السعودية، واكد لي أحد السعوديين الذي شغل منصباً إدارياً كبيراً بمرتبة وزير بأن الرسوم التي يستوفيها الأمريكان عن تدريب العسكريين السعوديين باهضة جداً، مما شجعه على عرض تقديم خدمات تدريب إدارية مماثلة برسوم أقل، لكن المسئولين السعوديين في وزارة الدفاع رفضوا العرض الذي تقدم به، لأنهم مجبرون على إرساء عقود التدريب على الأمريكان.

لأمريكا حلفاء وعملاء في أرجاء العالم، وأحياناً لا تستطيع الحكومة الأمريكية بسبب قوانينها وإجراءاتها المالية توفير الدعم المالي للجماعات المرتبطة بها لتمكينها من تنفيذ عملياتها القذرة، فتأمر الحكومات الخاضعة لها بالقيام بذلك، ولا توجد حكومة أكثر خضوعاً وطاعة للأمريكان من السعودية، وعندما ارادت أمريكا تمويل عمليات عصابات الكونترا المناوئة لحكومة نيجاراكوا في الثمانينات من القرن الماضي أوعزت للحكومة السعودية بتوفير الأموال المطلوبة، فامتثلت وهي صاغرة، ويعتقد بأن العملية الإرهابية التي استهدفت المرجع الكبير السيد محمد حسين فضل الله في بيروت كانت مدبرة من وكالة الاستخبارات الأمريكية وممولة من السعودية، ونتج عن العملية الإرهابية استشهاد ثمانين من المصلين الشيعة، وقد قدمت الحكومة السعودية فيما بعد تعويضاً بملايين الدولارات لذوي الضحايا، ولا يخفى الدور السعودي في تمويل الحرب العدوانية للنظام البعثي الطاغوتي على إيران، والذي لم يكن ليحدث من دون موافقة أمريكية.

ماكنة الشفط الأمريكية لا تبقي ولا تذر من الفائض المالي للسعودية، وهو ما يستنكره السعوديون، وبالأخص المعارضون للحكومة السعودية، ومن المعروف تولي مؤسسة النقد السعودية، وهي بمثابة البنك المركزي، استثمار الفائض من الإيرادات النفطية، والتي تنتهي معظمها في المؤسسات والأسواق المالية الأمريكية، ولنأخذ على سبيل المثال صندوق التقاعد السعودي، وكما هو متبع في كافة صناديق التقاعد تختص مؤسسة التقاعد باستثمار أموال صندوقي التقاعد المدني والعسكري، تحت إشراف وزارة المالية، وبسبب افتقاد المؤسسة للمختصين بالاستثمار فقد أوكلت مهمة إدارة الاستثمارات لمؤسسة النقد السعودية، التي بدورها تستعين بالشركات والمؤسسات الاستثمارية الأمريكية الكبرى، والتي أفلس أو أوشك على الإفلاس البعض منها مؤخراً، والجزء الأكبر من استثمارات التقاعد مخصصة للأسهم والسندات الحكومية في أمريكا، ولا بد من التذكير بأن هذه الأموال عائدة للموظفين السعوديين من مدنيين وعسكريين، والتي تقتطع معظمها من رواتبهم كل شهر، ولم تحول الخسائر الضخمة التي تحملها صندوق التقاعد جراء انخفاض اسعار الأسهم في نهاية القرن الماضي من استمرار الصندوق في شراء الأسهم والسندات الأمريكية، تنفيذاً للأوامر الصادرة من آل سعود وامتثالاً للمشيئة الأمريكية، وكان المتوقع في حينه حدوث عجز كبير في صندوق التقاعد العسكري في المدى القريب، وعندما ينهار الإقتصاد الأمريكي قريباً، كما يتوقع بعض المحللين الإقتصاديين، فسيصاب الاقتصاد السعودي برمته بالإفلاس.

بالأمس صرح مرشح الحزب الديمقراطي للرئاسة السناتور باراك أوباما: "إننا نقترض الأموال من الصين وندفعها للسعودية" وهذه حقيقة، ولكنها ليست كامل الحقيقة، فالأموال التي تدفعها أمريكا للسعودية مقابل النفط تعود لها من الباب الخلفي، ولا بد من التذكير هنا بالضغوط التي مارستها الحكومة الأمريكية ومنذ السبعينات على منظمة الدول المصدرة للنفط لتخفيض أسعار النفط، ومن حقنا التساؤل ما الذي جعل حكومة بوش تغض البصر في السنوات القليلة الماضية عن تلاعب شركات النفط الأمريكية بأسعار النفط ومشتقاته، فتارة تتذرع بإنخفاض مخزونها من مشتقات النفط وتارة تتحجج بقدوم عاصفة، مما تسبب في رفع أسعارها إلى مستويات غير مسبوقة؟ ولا نجد تفسيراً منطقياً لذلك سوى أن العوائد المرتفعة لدول الخليج المصدرة للنفط تصب في النهاية في الخزينة الأمريكية، وبهذه المكيدة الخبيثة شفطت أمريكا ليس فقط أموال الخليجيين وإنما أموال بقية دول العالم المستوردة للنفط منهم.

شفط الأمريكان أموال السعودية مقابل أسلحة ذات قدرات قتالية محدودة وعقود صيانة وتدريب باهظة التكاليف وفي تمويل عمليات قذرة وحروب عدوانية وشراء سندات الحكومة الأمريكية لتوفير موارد جديدة لميزانيتها وتقليص عجزها التجاري، وتحملت السعودية نتيجة ذلك خسارة المليارات من أموال شعبها، الذي تعاني شريحة كبيرة فيه من البطالة وانخفاض الدخل والسكن غير الصحي.

لو وقعت الحكومة العراقية الإتفاقية الأمنية مع الحكومة الأمريكية فلن تجني منها سوى ما حاق بالسعودية من خسائر ومصائب، وستفرض عليها أمريكا شراء أسلحة غير متطورة، وتجبي منها مبالغ باهضة مقابل خدمات صيانة وتدريب، وتجبرها على إنتاج كميات من النفط تزيد عن احتياجاتها، وتستعمل التسهيلات العسكرية على أرضنا للتجسس والتآمر على جيراننا، ناهيك عن التلاعب بالعملية السياسية واستكمال مخططها لتقسيم وتفتيت العراق وإلحاقه بالمشروع الأمريكي الصهيوني، وبالطبع لن تفوت أمريكا فرصة واحدة لشفط الأموال العراقية، ولا سيما الفائض منها، لأن أمريكا بأمس الحاجة اليوم لكل دينار ودرهم وريال، فهل أموال العراق وسيادة دولته وكرامة أهله رخيصة لنقدمها هبة للأمريكان مقابل إحتلالهم لبلدنا واستقدامهم الإرهاب لكي يعيث فساداً بيننا؟ لنتعظ من تجربة السعودية مع الشفط الأمريكي ونصوت جميعاً برفض الإتفاقية الأمنية.

12 تشرين الأول 2008م

عن  ممهدون