لقد كان الصدريون - وما زالوا - متهمين بانزياحهم نحو التأثر بـ (نظرية المؤامرة) ، والتحرك ضمن (العنديـّة والقبلية) ، لأن أغلب حراكهم كان ينطلق من تخوفهم الحاد (والمزمن) من الوجود الصهيوني والانتشار الأمريكي في العراق والمنطقة ، ولم يقبلوا أن يمدوا أية آصرة للحوار مع القوات الأمريكية في العراق ، بل يعتبرون أن مجرد الحوار المباشر أو تحقيق اللـُقيا مع الجنود الأمريكان يمثل كبيرة من الكبائر على الصعيد الوطني والإنساني والديني ، وهذا ليس بسبب عدم قدرتهم على إدارة (فن الحوار) أو بسبب عدم امتلاكهم خبرة في (فن التفاوض) ، ولكن لأسباب تتعلق بالمبادئ ، وبردود الفعل بإزاء المحتوى الحقيقي للأجندة الصهيو – أمريكية في العراق .

ولذا نجد الكثير من (دعاة الدعة والعافية) قد وضعوا الصدريين في قائمة المصابين بالنزق والإنفعالية ، وتصوروا بأن الصدريين مجرد كائنات متشنجة ، منفلتة عن الواقع ، تقتات على أسلوبية رفض الآخر والمعارضة الدائمة للتغيير ، غير منتبهين إلى العمق الفكري الذي انطلق منه الصدريون للتصدي للوجود الصهيو – امريكي ، وغير ملتفتين إلى حجم التصورات التي يمتلكها الصدريون لمستقبل وجود الاحتلال في العراق والمنطقة وما يترتب عليه من آثار على الصعيدين العسكري والسياسي والاجتماعي والمجتمعي ، ذلك لأن الحقيقة التي أغمض عنها الكثيرون وانتبه لها الصدريون والمثقفون الوطنيون تكمن في تنوع الأجندات داخل المؤسسة العسكرية الأمريكية الواحدة ، وفي الوقت الذي كانت تصورات البعض تتمحور حول مفردات (التحرير) و (الاحتلال) و (المصالح الاقتصادية) و (النفط) و ..و .. كانت ذاكرة الصدريين مكتنزة بتوجسات من مشروع (سياسي – ديني – اقتصادي – ثقافي) أمريكي – صهيوني ، يريد أن يلف المنطقة بأسرها بدءاً من العراق ، وانتهاءً بآخر نقطة في ما يسمى بمشروع (الشرق الأوسط الجديد) ، كخطوة أولى لتحقيق المرتكزات النظرية للعولمة التي تتمحور حول (صراع الحضارات) و (نهاية التاريخ) و (الفوضى الخلاقة) ، معززين – أقصد الصدريين - رؤاهم بالكم المتدفق من تصريحات الساسة الأمريكان والصهاينة ، وملتفتين إلى المعاني والمفردات التي تندرج في خطاب هؤلاء الساسة والتي تحمل إرهاصات ولادة جديدة لحركة جديدة من حركات الرغبة في السيطرة على العالم وتغييب الهوية الثقافية والدينية للشعوب المسيطر عليها .

لقد أخفق الصدريون – رغم حرصهم الوطني – في أن يوصلوا للمجتمع حقيقة رؤيتهم لمندرجات مشاريع الاحتلال في العراق ، وأخفقوا في التواصل مع القوى العالمية والدولية التي يمكن من خلالها أن ينطلقوا نحو بوابة التأثير على المشروع الأمريكي ، وهذه الإخفاقات – التي سنتناول أسبابها وتداعياتها آنفاً – جعلت من المشروع (العراقي الوطني الإنساني الصدري) مشروعاً يتيماً ومنعزلاً بإزاء المشروع الأمريكي الذي يمتلك آليات الحراك المتعددة ، وأحصر المشروع الصدري في زاوية التراجع حيناً والتقهقر حيناً والركود حيناً والتقدم حيناً آخر .

إن أبناء المنهج الصدري ، والذين يمثلون الشريحة الغالبة من المسلمين الشيعة في العراق ، والذين يشكلون الشريحة الأكثر فقراً داخل طبقات المجتمع العراقي ، لم يكونوا بمعزل عن تداعيات (مزاجية الشعب العراقي) وتركيبته النفسية المعقدة ، والتي عجز عن تحييدها أو تقنينها كل الرؤساء والقادة الذين قادتهم أقدارهم لقيادة الشعب العراقي ، وبالرغم من (الطيبة) المفرطة التي يتمتع بها العراقيون ، وبرغم قدرتهم الاستيعابية الذهنية المفرطة ، وبرغم قدراتهم على التكيف مع أشد الظروف قساوة ، وبرغم الصفات التي غالباً ما نفتقد وجودها عند الآخرين لمجرد عبورنا النقاط الحدودية العراقية ، ولكن تبقى لدى العراقيين صفتان مميزتان ، تكمنان في أن العراقي مستعد للموت والتضحية من أجل الحق ، في نفس الوقت الذي تجده مستعداً للموت والتضحية من أجل (الباطل) رغم علمه بأنه باطل ، وهاتان الصفتان – دون الدخول في تفاصيل جانبية – هما صفتان تدلان على الشجاعة والثبات والعناد والقدرة على المطاولة ، وهذا ما لم يلتفت إليه الكثير من الوافدين من خارج العراق .

إن صفة العناد تمثل صفة سلبية من صفات الشخصية ، ولكنها تكون إيجابية حين يتم توظيفها بالشكل التقني المدروس ، لأنها في حقيقتها خاضعة للمزاج والشعور ولا علاقة لها بمبدأ أو انتماء ، وهذا ما رأيناه لدى البعض ممن تناغموا مع الموت في ريعان شبابهم وتصدوا لآلة القتل الأمريكية دون أن يكون لهم انتماء ديني رفيع ، ودون أن تدفعهم القناعات الفكرية المتكاملة ، ورأيناهم يرسمون أروع صور التضحية من أجل الوطن ، ويتهاوون دون أن يمسهم نزغ يمنعهم من التقدم ، ورغم انتمائهم في الغالب إلى (جيش المهدي) ولكنهم لم يكونوا متدينين بالمعنى الدقيق ، بل حتى إن منهم من لا يجيد الصلاة ولا يقيمها ، وفيهم من لا علاقة له بالفقه ، ذلك لأن حب الوطن والقناعة بضرورة التضحية من أجله لا تنحصر بالشعور الديني أو الطائفي ، وليس كل تضحية ينبغي أن تأتي من تحت المنابر ، وإلا سيكون لزاماً علينا أن نلغي التضحيات التي قدمها الشعب الروسي ، وسنغمط حق ثبات الجنود الألمان ، وسنتجاوز رائعة ما قام به الطيارون اليابانييون البوذيون ضد البوارج الأمريكية ، أو سنغيب كل الثورات التي قامت في أرجاء العالم بحثاً عن الحرية والكرامة والوطن .

ومن هنا نشأ التنوع الأولي بالانتماءات والتوجهات والدين والقوميات لدى الصدريين في بداياتهم الأولى ، وهذه الفسيفساء كانت تختلف ألوانها وأطيافها ولكنها تشكل مع بعضها لوحة متكاملة ، ولقد رأينا في الانتفاضة الصدرية الثانية أن الكثير ممن لا علاقة لهم بالإسلام أو التشيع أو تقليد السيد الشهيد الصدر كانوا قد انخرطوا ضمن مشروع المقاومة الصدري ، بسبب القناعات الوطنية المتطابقة ، وهذا ما لم نره حالياً ولن نراه مستقبلاً إلا بجهد كبير لأسباب سنأتي على ذكرها إن شاء الله .

راسم المرواني

المستشار الثقافي لمكتب السيد الشهيد الصدر (قده)

العراق / عاصمة العالم المحتلة

marwanyauthor@yahoo.com


عن ممهدون