مخزون ومعدات ذات حصانة
بلغنا الحلقة الثالثة وما زلنا في التعريفات التي تبين مدى الضرر الذي تلحقه هذه "الاتفاقية الأمنية" بالعراق وشعبه منذ سطورها الأولى، بينما كل ما تقوله المنطقة الخضراء تبريراً لها رغم كل ما تسببه من تكبيلٍ للبلاد ولأجيال قادمة أنها الثمن الذي يجب دفعه جراء قيام الإدارة الأمريكية بإسقاط النظام السابق وتنصيبهم محله!
ورد في التعريفات ما يلي:
----------------------------------------------------------------------------------
اقتباس
· المعدات الدفاعية تعني المنظومات والأسلحة والاعتدة والمعدات والتجهيزات والمواد المستخدمة في الحروب التقليدية حصراً والتي تحتاجها قوات الولايات المتحدة فيما يتعلق بالأنشطة المتفق عليها بمقتضى هذا الاتفاق والتي لا ترتبط بشكل مباشر أو غير مباشر بمنظومات أسلحة الدمار الشامل (الأسلحة الكيمياوية والأسلحة النووية والأسلحة الراديولوجية والأسلحة البيولوجية والنفايات المرتبطة بمثل هذه الأسلحة).
· الخزن يعني الاحتفاظ بالمعدات الدفاعية التي تحتاجها قوات الولايات المتحدة في ما يتعلق بالأنشطة المتفق عليها بمقتضى هذا الاتفاق.
انتهى الاقتباس.
---------------------------------------------------------------------------------
فرغم ورود العبارة التي تبين عدم شمول المعدات "الدفاعية" للأسلحة الكيمياوية والأسلحة النووية والأسلحة الراديولوجية والأسلحة البيولوجية والنفايات المرتبطة بمثل هذه الأسلحة كما ورد في النص، فلا توجد آلية للتأكد من ذلك.
وقد كُتب النص بالكثير من الخبث والقرصنة من قبل الجانب الأمريكي، وإذا قُبل عراقياً فينطوي على الكثير من الحمق والغباء إذا كان القابل جاهلاً، والكثير من الخيانة والارتباط إذا كان الراضي بهد عارفاً بما ينطوي عليه. وبعد ما نكتبه هنا ونوضح الأمر، والاتفاقية لم تعقد بعد فان الجهل صار أمراً مستبعداً.
فما هي الآلية التي يتأكد من خلالها العراق عدم قيام المحلين بتخزين النفايات الكيميائية والنووية والبيولوجية في الأرض العراقية؟
كل النصوص القادمة تبين أن الشاحنات العسكرية والمدنية (سواء كانت للجيش الأمريكي أو شركات المرتزقة تحت اسم المتعاقدين) تتمتع بالحصانة ضد التفتيش والملاحقة والمتابعة منذ وصولها الحدود العراقية وحتى دخولها القواعد الأمريكية في العراق! وكذلك الطائرات العسكرية والمدنية، بل وحتى الطائرات الشخصية الصغيرة!!
بل وإن السلطات العراقية مكلفة حسب هذه الاتفاقية بتقديم التسهيلات إلى هذه السيارات والشاحنات والطائرات والمروحيات بما فيها من حمولة لا يحق للسلطات العراقية النظر إلى محتوياتها، أن تقدم لها التسهيلات كي تصل مقصدها بأمان ويسر!!
لا أدري كيف يمكن أن تشعر السلطات العراقية المرتبطة بالمحتل نفسها بالأمن مع هذا الأمر، ناهيك عن الشعب العراقي المستباح؟
هل فقد المفاوض العراقي عقله؟ أم فقد إحساسه بالخطر وهو الأمر الذي وهبه الله تعالى لمخلوقاته جميعاً؟
حتى الذي ليس له أي اطلاع قانوني سيقول أنه لابد من تعيين لجنة من طرف ثالث على سبيل المثال للتأكد من خلو الشاحنات والطائرات من الحمولات الممنوعة.
إلا أن الاتفاقية وفي بنودها القادمة تؤكد مادة بعد مادة، وسطراً بعد سطر، على حصانة كل معدات العدو المحتل ومركباته من أي تفتيش ومعاينة للتأكد من خلوها من المواد الممنوعة حسب الاتفاقية نفسها!
كل ما عندنا حسب الاتفاقية إياها هو تعهد المحتل نفسه بخلو الحمولات من الممنوعات!! وعلى هذا الأساس يكون الشك بنزاهة الجيش الأمريكي وجنوده بهذا الشأن من الكبائر، حسب رأي المنطقة الخضراء!! ماذا أقول....مـــــــــاذا أقول..... بل أن النص يبين أن الشك بنزاهة شركات المرتزقة نفسها في عدم احتواء حمولاتها على الممنوعات هو إساءة للظن بأمريكا "المحررة!!" نفسها!
على سبيل المثال تقول المادة الرابعة عشر من الاتفاقية بشأن الدخول للبلاد والخروج منها ما يلي: ((تطبق القوانين العراقية النافذة على الدخول والخروج من العراق على الآخرين ولا تطبق على أفراد القوات أو العنصر المدني))
النص المسرب للاتفاقية مرفق مع سلسلة المقالات، ويمكن لكل شخص الاطلاع عليه.
لم تنته المصيبة بعد في التعريفات هنا، بل إن كل ما ينطبق على الشحن والنقل على الطرقات العراقية وبين المدن والقرى التي قد تتعرض لخطر التلوث والإصابة، ينطبق كذلك على التخزين الذي يتمتع بنفس الحصانة في المساحات التي تشغلها القوات المحتلة وشركات المرتزقة حسب الاتفاقية إياها!!
أي عدم وجود أي آلية للتفتيش ولو عبر طرف ثالث محايد للتأكد من عدم تخزين الممنوعات!!
ومرة أخرى فإن الآلية الوحيدة في "الاتفاقية الأمنية" هذه هي: الإيمان المطلق بنزاهة جيش الاحتلال الأمريكي ونزاهة المرتزقة المتعاقدين معه!!
ورد في المادة السادسة من الاتفاقية الأمنية البند -2 بشأن إدارة القواعد والمنشئات ما يلي: ((يصرح العراق بموجب هذا الاتفاق لقوات الولايات المتحدة بأن تمارس داخل المنشآت والمساحات المتفق عليها جميع الحقوق والسلطات الضرورية لإنشاء واستخدام وصياغة وتأمين تلك المنشآت والمساحات المتفق عليها))
لم تتطرق التعريفات إلى الأسلحة التي تعد تقليدية حسب جيش الاحتلال ولكنها محرمة دولياً، وتصيب الناس بأضرار بالغة جهة النقل أو التخزين. فالاتفاقية تعتبر أن الأسلحة والاعتدة التي تستعمل اليورانيوم المنضب مثلاً والمستعمل في القصف إبان الغزو الإجرامي هي مجرد أسلحة تقليدية!!! وتصر السلطات في المنطقة الخضراء رغم الأمراض السرطانية المنتشرة جرائها والتشوهات التي يعاني منها المواليد الجدد على السكوت وتمرير هذا الأمر للأمريكيين ليتمكنوا من نقل هذه الأسلحة والاعتدة عبر الطرق العامة وتخزينها في الأرض العراقية مع ما تحمل من مخاطر هائلة على البيئة والمياه الجوفية والخسائر التي تنجم عن أي حادث وإن كان عرضياً.
لا يقدم على التوقيع على اتفاقية كهذه سوى من باع نفسه وكرامته بعد أن باع دينه ووطنه للمحتل الغازي.
ليست مصيبتنا فيمن يحتلنا فقط، فمع الاحتلال تأتي المقاومة والتضحيات والنتيجة معروفة لكل احتلال على مر التاريخ، ولكن المصيبة فيمن يتعاون مع المحتل من بيننا، ويطعن وطنه وشعبه في ظهره، ويختلق الأزمات الداخلية كي ينفذ أجندة المحتل في البلاد، ويقسم شعبنا أعراق وطوائف! هذا يصرخ على ذاك " نواصب" وذاك يصرخ على هذا "روافض" وآخر يصيح "عربان" و" وشوفينيون" و "طورانيون" بينما يتعانقون بعد الصراخ في المنطقة الخضراء ويجتمعون على موائدهم العامرة حول السفير الأمريكي حاكمهم الفعلي.
وبين صراخ هذا وذاك في المنطقة الخضراء ومن يساعدهم خارجها تمر بنودٌ لاتفاقيةٍ ما زلنا نشرح لأهلنا في وطننا مصيره معها، وما كتب بين سطورها، ونشرح للبلدان والأمصار من حولنا أدوارهم فيما يحصل لنا شراً كان أم خيراً.
وحاشى للباري تبارك وتعالى أن يترك عبادة دون أن يحق الحق ويبطل الباطل....إن الباطل كان زهوقاً.
وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ
محمد حسن الخالصي
15 شوال 1429
15 تشرين الأول 2008