تعريفات تضمن وجود المرتزقة

 

فور البداية بقراءة النص المنشور للاتفاقية الأمنية المزمع عقدها (لا سامح الله)، تبدأ النصوص الملغومة بانتهاك سيادة بلادنا وكرامة شعبنا العراقي تتوالى الواحدة تلو الأخرى!

ولمعرفة الفرق بين الاتفاقية (Agreement) والمعاهدة (Treaty)، وهي ما لا يتطلب استشارة الكونجرس الأمريكي بالنسبة للأولى وما يتطلب موافقة الكونجرس عليها للثانية، يرجى مراجعة البحث القانوني القيم الذي كتبه المحامي (باسيل يوسف بجك) بهذا الشأن(1). ولا توجد قواعد قانونية في العراق  كما في أمريكا لأن الدستور الذي يدعون إتباعه يخالفونه في المنطقة الخضراء كل يوم، خصوصاً في مبدأ مراجعة البرلمان حين التمديد لقوات الاحتلال البقاء في البلاد نهاية كل عام، إذ يمددون لبقاء الاحتلال دون أي يعيروا أدنى اهتمام للبرلمان الذي انتخب أصلاً بشرط الاحتلال ومشروعه، وبذلك يدوسون هم أنفسهم على الدستور الذي يتبجحون به تحت أقدامهم.

 

وردت التعريفات التالية في بداية النص المذكور للاتفاقية:

------------------------------------------------------------------------------

الاقتباس:

 

قوات الولايات المتحدة: تعني الكيان الذي يضم أفراد القوات والعنصر المدني وجميع ممتلكات وأجهزة وعتاد القوات المسلحة للولايات المتحدة الموجودة على أراضي العراق.

  أفراد القوات: تعني أي فرد ينتمي إلى جيش الولايات المتحدة او قواتها البحرية أو الجوية أو مشاة البحرية أو خفر السواحل.

 أفراد العنصر المدني: تعني أي مدني يعمل لدى وزارة الدفاع الأمريكية ولا يشمل هذا الاصطلاح الأفراد المقيمين عادة في العراق.  

المتعاقدون مع الولايات المتحدة والمستخدمون العاملون لدى المتعاقدين مع الولايات المتحدة: تعني الأشخاص أو الكيانات المشروعة غير العراقية ومستخدميهم الذين هم مواطنون أمريكيون أو مواطنو بلد ثالث والموجودون في العراق لتوفير السلع والخدمات والأمن في العراق إلى قوات الولايات المتحدة أو نيابة عنها وذلك بموجب عقد أو عقد من الباطن مع قوات الولايات المتحدة ولا يشمل هذان المصطلحان الأفراد أو الكيانات المشروعة المقيمة عادة على الأراضي العراقية

 

انتهى الاقتباس

-------------------------------------------------------------------------------- 

كنا ذكرنا على سبيل التحليل في الحلقة الثانية من مقالات (بين استحقاقات الوطن وأطماع الاحتلال – الثمرة الأولى لقدوم حرامي بغداد) (2): أن الاتفاقية المقبلة لن تكون اتفاقية عادية بين دولتين، بل اتفاقية تشوبها الكثير من المسؤوليات التي توكل إلى المرتزقة (تحت اسم الشركات الأمنية، أو المتعاقدون تخفيفاً لوطئ كلمة المرتزقة(

 

وأول ما نلاحظ في النص المرفق الذي تبدأ به الاتفاقية وجود تعريفات للعنصر المدني الذي هو غير جنود قوات الاحتلال نفسها، بل إن التعريف الأخير للمتعاقدين كما هو واضح أعلاه يشمل جميع المرتزقة الذين يرتبطون بعقود مع وزارة الدفاع الأمريكية في واشنطن ولا دور للجانب العراقي فيه، سواء كانوا أمريكيين أو من بلد ثالث!! والمعروف أن المجرمين الذين يعملون كمرتزقة في العراق هم في مستويات مختلفة من التعامل معهم وشكل عقودهم ويشملون مرتزقة من دول مختلفة منها أمريكا نفسها والنيبال وإسرائيل وكولومبيا وبريطانيا وفرنسا وكندا وبعض الدول العربية والعراق نفسه.

 

إذاً، فما تقوله حكومة المنطقة الخضراء عن إلغاء الحصانة القضائية للمرتزقة في الاتفاقية أمر كاذب لأن هؤلاء المرتزقة هم جزء لا يتجزأ من نسيج قوات الاحتلال كما نرى من التعريف، وهذا الاحتلال يحتاج للمزيد من جنوده فيما لو ألغي دور المرتزقة ليغطي الأعمال التي يقومون بها  وهي قذرة في مجملها. لذلك فليس من المتوقع الاستغناء عن المرتزقة في المرحلة المقبلة، بل العكس هو الصحيح، أي توسيع دورهم لما لذلك من تخفيف لخسائر جيش الاحتلال، إذ أن خسائر المرتزقة لا تعلن ولا تعتبر ضمن خسائر الجيش الأمريكي المحتل.

 

أمر آخر يطلعنا النص عليه، وهو أن المرتزقة سينوبون عن قوات الولايات المتحدة في أداء مهماتها في بعض الأحيان في العراق وقد يوفرون لهذه القوات الأمن!!! في أمر يثير السخرية حقاً

 

الأمر الثالث الذي يطلعنا النص عليه هو مسألة كيفية تعيين مشروعية منظمات المرتزقة وشركاتهم، ولا يعرف كيف ستتمكن حكومة المنطقة الخضراء تعيين مشروعية شركات المرتزقة "إن كانت لها أي مشروعية أصلاً" حسب القانون الدولي، والواضح أن هذه المشروعية أوكلت إلى الأمريكيين عبر العقود مع وزارة الحرب الأمريكية. ما يعني أن أي شركة لها عقد مع وزارة الدفاع الأمريكية ستكون متمتعة بكل الإمكانات والتسهيلات التي يتمتع بها جنود الاحتلال والتي سنطلع عليها في الحلقات القادمة بإذن الله تعالى.

 ويمكننا أن نتصور مدى هشاشة الأمن في البلاد مع هذه الاتفاقية بسبب العلاقات المتميزة للولايات المتحدة مع الكثيرين في عالم اليوم، وسوف أترك لخيال القارئ اللبيب أن يتصور ما هي نوعية الشركات التي ستدخل للبلاد متسلحة بعقد من وزارة الحرب الأمريكية ومتمتعة بكل التسهيلات التي توفرها الاتفاقية لها.

 

لقد انتهى هذا النص كما انتهت نصوص أخرى في الاتفاقية بعبارة: (ولا يشمل هذان المصطلحان الأفراد أو الكيانات المشروعة المقيمة عادة على الأراضي العراقية) ورغم غموض النص فإنه يوحي بشيء من السخرية أيضاً، إذ أن هذا التعبير سيحصر أي عمل اقتصادي أو تنموي بين أطراف الأحزاب التي تشكل نظام المنطقة الخضراء إضافة للمرتبطين بوزارة حرب أمريكا بعقود، فالأمن يتوفر لأحد هذين في "العراق الجديد" فقط!!. وسيكون من المتعذر على أي شركة تنموية أن تعمل إلا من خلال أطراف المنطقة الخضراء أو وزارة الحرب الأمريكية حيث شركات المرتزقة " المشروعة حسب الاتفاقية" والتي توفر لها الأمن، أو أنها ستفقد الأمن.     

 أمر إضافي يخبرنا النص أعلاه به وهو أن وزارة الحرب الأمريكية لن تكون مسؤولة عن تصرفات شركات المرتزقة التي ترتبط بعقود معها، فهي مرتبطة بعقد لتنفيذ مهمة فقط وتتمتع بصلاحيات وتسهيلات، والنص المذكور يتناغم مع قاله السناتور الديمقراطي "غاري آيكرمان"  أن الحكومة الأمريكية تعهدت للكونجرس بأن الاتفاقية الأمنية لن تكبل الرئيس المقبل بأي قيود تجاه العراق.

مهد الأمريكيون لإبرام المعاهدة الأمنية معهم عبر اتفاق المبادئ(3) وقعه الرئيس الأمريكي "جورج بوش الصغير" مع قادة المنطقة الخضراء في 26 تشرين الثاني 2007 بعد أن أعلن قبل خمسة أشهر من تاريخه في اجتماع عبر دائرة تلفزيونية مغلقة بين البيت الأبيض والمنطقة الخضراء.

وقال أركان المنطقة الخضراء يومها أنه (اتفاق المبادئ) مجرد أفكار، إلا أن أحداً لم يصدقهم في ذلك، وها نحن اليوم أن كل ما ورد فيه صار يتضمنه النص المنشور أو المسرب للاتفاقية الأمنية المهينة.   

 

ستمر الاتفاقية إذا تركها الشعب تمر، وتركتها القوى الإسلامية الحقيقية والوطنية الحقيقية تمر. أما إذا وقف الشعب بوجهها، فللمواجهة تضحيات وفي نهايتها توفيق وانتصارات ورضا الله تبارك وتعالى فوق ذلك كله، لأنه في نهاية المطاف لن يكون إلا ما يريده الله تعالى، لأن كلمته هي العليا، وما شاء كان.

 

وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ

محمد حسن الخالصي

13 شوال 1429

13 تشرين الأول 2008

 

 

(1)   أضغط هنا لاطلاع على الدراسة القيمة القيمة للمحامي الأستاذ باسيل يوسف بجك

(2) أضغط هنا لاطلاع على الحلقة الثانية من مقالات (بين استحقاقات الوطن وأطماع الاحتلال – الثمرة الأولى لقدوم حرامي بغداد)

(3) أضغط هنا لاطلاع على اتفاق المبادئ الذي وقعه الرئيس الأمريكي "جورج بوش الصغير" مع قادة المنطقة الخضراء في 26 تشرين الثاني 2007